حين سبق إضراب الكرامة، حرب (الكرامة)

كلمة و«غطايتا

الأستاذ/ سامي الباقر يكتب

ما بعد تعليق الإضراب… الحرب التي قطعت الطريق
في المقال السابق، توقفت عند انتقال قضية المعلمين من مذكرة وإضراب واسع إلى طاولة القصر الجمهوري، ثم إلى لجنة رسمية برئاسة الفريق أول ركن ياسر العطا، شارك فيها ممثلو لجنة المعلمين أنفسهم.

لم يكن ذلك انتقالاً تلقائياً. فقد سبقته أشهر من العمل النقابي، بدأت بالمذكرة، ثم الإضراب، ثم التفاوض، وصولاً إلى تحقيق عدد من المكاسب: متأخرات الرواتب، والبديل النقدي، وبدل اللبس، ورفع علاوة طبيعة العمل، ومعالجة معاش المعلم، وإقرار علاوة لمديري المدارس ووكلائها، ومعالجة استثناء المعلمين من بعض مزايا الدرجة الأولى.

لكن المعركة لم تنتهِ.

فقد بقي مطلبان أساسيان على طاولة التفاوض: رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة الإنفاق على التعليم.
وهنا تكمن نقطة مهمة في تجربة إضراب الكرامة: أن تعليق الإضراب لم يكن إغلاقاً للملف، ولا تنازلاً عن المطالب، وإنما كان قراراً نقابياً محسوباً، منح الدولة فرصة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مع الاحتفاظ بحق المعلمين في متابعة ما لم يُنفذ.

كان موقف لجنة المعلمين واضحاً: ما تحقق يُحفظ، وما لم يتحقق يبقى قائماً.
ولهذا استمرت المتابعة، وكان مقرراً أن تستأنف اللجنة نقاشها حول الحد الأدنى للأجور والإنفاق على التعليم بعد رمضان، لكن الحرب اندلعت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، فقطعت الطريق على ذلك المسار، وأوقفت اجتماعات اللجنة قبل الوصول إلى جولة الحسم.

لكن الحرب، وهي تقطع طريق التفاوض، لم تقطع الطريق أمام السؤال الذي كان يقف خلف أحد أهم مطالب الإضراب: كم تنفق الدولة فعلياً على التعليم؟ وأين يذهب هذا الإنفاق؟
فمطلب زيادة الإنفاق على التعليم إلى ٢٠٪ من ميزانية الدولة لم يكن رقماً يُطرح للاستهلاك السياسي، وإنما كان مرتبطاً بسؤال أكبر يتعلق بأولوية التعليم داخل الموازنة، وبالمال الذي يصل فعلياً إلى المدرسة.

في اجتماع القصر الجمهوري، كنت حريصاً على أن نعرف أولاً كم تبلغ نسبة الصرف على التعليم فعلياً، حتى يمكن بعد ذلك تحديد المبلغ الذي تذهب إليه هذه النسبة. ألححت على وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم في أن يوضح لنا الرقم، لكنه لم يقدم إجابة تفصيلية.

وعندما غادر القصر، سألته مرة أخرى عند الباب: كم تبلغ نسبة الصرف على التعليم؟
فأجاب، في حالة من الغضب: ١٢٪.

فبادرت بسؤال آخر: هل يدخل ضمن هذه النسبة التعليم العالي والمرتبات؟
فأجابني ملتفتاً إلى الجزء الأخير من السؤال: «المرتبات لا»، وكانت إجابته، بحسب ما فهمت منها، تعني أن النسبة تشمل التعليم العالي، بينما لا تشمل الفصل الأول.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: إذا كانت الـ١٢٪ تشمل التعليم العالي، فما هو نصيب التعليم العام منها؟ وإذا كانت المرتبات مستثناة، فما هو حجم الإنفاق الحقيقي على البيئة التعليمية؟
ثم سألت: هل يمكن أن نحصل على المبلغ المخصص فعلياً للتعليم، ونسبة كل ولاية منه وفق الثقل السكاني؟ فلم أحصل على إجابة.

بعد إعلان الموازنة العامة، حاولنا استخراج الرقم من جملة الموازنة، التي كانت في حدود ١٢ مليار دولار، مع عجز معلن يقارب ٤٠٪. ومع احتساب العجز، تصبح المقارنة بين النسبة المعلنة والموارد الفعلية المتاحة أكثر تعقيداً، وتزداد الحاجة إلى معرفة الرقم الحقيقي المخصص للتعليم العام.

لذلك لم يكن اعتراضنا على الرقم ١٢٪ لمجرد أنه أقل من مطلبنا البالغ ٢٠٪، وإنما لأن النسبة المعلنة نفسها لا تكشف حجم الإنفاق الحقيقي على التعليم العام.

فإذا كانت تشمل التعليم العالي، ولا تشمل المرتبات، ثم تُحسب في موازنة تعاني عجزاً كبيراً، فإن المطلوب يصبح أكثر وضوحاً: نريد رقماً معلناً للتعليم العام، ومبلغاً محدداً، ومصادر تمويل واضحة، ونصيب كل ولاية، وأوجه الصرف حتى مستوى المدرسة.

وهنا جاء مطلبنا بأن تكون نسبة الـ٢٠٪ مخصصة للتعليم العام وحده، وألا يدخل ضمنها الفصل الأول، حتى تعكس النسبة الإنفاق الحقيقي على البيئة التعليمية: التسيير، والصيانة، والتشييد، وتأهيل المدارس، وتوفير مستلزمات العملية التعليمية.

لا ينبغي أن ينحصر الإنفاق على التعليم في المرتبات والتسيير والصيانة والتشييد، فالتعليم الذي نريد بناءه يحتاج إلى موازنات واضحة لتدريب المعلمين وتأهيلهم المستمر، وتطوير التعليم الفني، وإدخال التكنولوجيا في العملية التعليمية، وتوفير البنية التحتية والوسائل اللازمة لذلك.

هذه ليست بنوداً هامشية يمكن تنفيذها بما يتبقى من الموازنة، وإنما استثمارات أساسية في جودة التعليم ومستقبله، ولذلك يجب أن تظهر لها مخصصات محددة ومعلنة داخل الموازنة.
لكن الأمر لا يتوقف عند تحديد نسبة الإنفاق.

فنحن بحاجة إلى دورة مالية واضحة تبدأ من المدرسة وتنتهي إليها؛ تبدأ بتحديد احتياجات المدرسة الحقيقية، ثم تنتقل إلى الوحدة، فالمحلية، فالولاية، مع احتفاظ المدرسة ومكاتب التعليم بنسخة من الاحتياجات المرفوعة، ونسخة من الالتزام المالي المخصص للمحلية، ونصيب كل مدرسة من الميزانية، وما خصص للتسيير والصيانة والتشييد وإصلاح البيئة المدرسية.

هذه الدورة غائبة تماماً عن الموازنات، يمكن أن تُعلن نسبة للإنفاق على التعليم، دون أن يعرف المعلم أو المدرسة والمجتمع المحلي، مقدار ما خصص فعلياً، ولا نصيب كل مستوى إداري، ولا المبلغ الذي وصل إلى المدرسة، ولا أوجه إنفاقه.

عندما تغيب هذه التفاصيل، تصبح النسبة رقماً عاماً يصعب قياسه أو مساءلة أحد بشأنه، وتتسع الفجوة بين الالتزام المعلن والإنفاق الفعلي.

فالدولة قد تعلن التزامها بالتعليم، لكن غياب البيانات التفصيلية يجعل من الصعب معرفة ما إذا كان هذا الالتزام قد تحول إلى موارد حقيقية داخل المدارس. وتصبح الولايات والمحليات في مساحة واسعة من التقدير، بينما يظل المعلم والمجتمع بعيدين عن معرفة نصيب المدرسة ووجهة المال المخصص لها.

فهذه الفراغات تجعل الدولة في حل من الالتزام الخاص بالتعليم؛ لأن الالتزام الذي لا يُترجم إلى رقم واضح، ومسؤولية محددة، ومسار مالي قابل للتتبع، يصعب قياسه أو مساءلة الجهات المسؤولة عنه.

لذلك فإن المعركة النقابية التي خاضها المعلمون لم تكن في جوهرها معركة مرتبات فقط، بل كانت معركة من أجل تعليم عام له أولوية في الموازنة، ومال معلوم، ومسؤولية محددة، ومسار يمكن تتبعه ومساءلة الجهات المسؤولة عنه.

هنا تظهر قيمة ما فعلته لجنة المعلمين في تلك التجربة. فهي لم تكتفِ برفع المطالب، وإنما حاولت تحويلها إلى ملفات قابلة للنقاش والتنفيذ والمتابعة، وهذا هو جوهر العمل النقابي الذي نحتاج إلى ترسيخه: أن تعرف القاعدة ماذا تطلب، ولماذا تطلبه، ومن المسؤول عن تنفيذه، وكيف تتابع التنفيذ.
الحرب أوقفت ذلك المسار، لكنها لم تُسقط القضية.

فالمطالب التي لم تُنفذ لا تسقط بتغير الظروف، والحقوق التي عُلقت بسبب الحرب تظل حقوقاً تنتظر استكمال مسارها.

ولعل أهم ما تركه إضراب الكرامة للحركة النقابية السودانية هو هذا الدرس: أن التنظيم يصنع القدرة على التفاوض، وأن وضوح المطالب يصنع القدرة على المحاسبة، وأن النقابة المستقلة لا تنتظر أن تُمنح مساحة، وإنما تصنعها بوعي قواعدها ووحدة صفها وقدرتها على إدارة معركتها.

وإذا أردنا أن نبني تعليماً عاماً قادراً على الصمود بعد الحرب، فعلينا ألا نعود إلى الموازنات الغامضة نفسها، ولا إلى النسب التي لا يعرف أحد كيف حُسبت، ولا إلى أموال لا تعرف المدرسة نصيبها منها.

نحتاج إلى موازنة تعليمية معلنة، مفصلة، قابلة للتتبع والمساءلة، تبدأ احتياجاتها من المدرسة وتنتهي إليها مواردها، وتضع في مقدمة أولوياتها المعلم، والبيئة المدرسية، والتدريب، والتعليم الفني، والتكنولوجيا.

ذلك هو أحد الدروس التي ينبغي ألا تضيع مع ما ضاع بسبب الحرب.

وهنا تنتهي هذه السلسلة، لكن قضية المعلمين ومسيرتنا فيها، لا تنتهي بانتهاء المقال، فما تزال في الكنانة سهام، وفي القلب أماني، وفي النفس شيء من حتى.