هل يحتمل السودان مسارًا تفاوضيًا جديدًا؟ أم أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب؟
مهدي داود الخليفة يكتب..
تتزايد في الآونة الأخيرة الدعوات إلى إطلاق عملية وساطة جديدة أو إنشاء منصة تفاوضية بديلة للمسارات القائمة، انطلاقًا من قناعة لدى البعض بأن الآليات الحالية لم تحقق الاختراق المطلوب، وأنها تعاني من إشكالات تتعلق بالحياد، والتمثيل، وملكية السودانيين للعملية السياسية.
ولا شك أن كثيرًا من هذه الملاحظات يستحق النقاش، بل إن بعضها يعكس جوانب حقيقية في تعقيدات المشهد السياسي السوداني. غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: كيف نصمم مسارًا تفاوضيًا جديدًا؟ وإنما: هل يحتمل السودان مزيدًا من الوقت قبل الوصول إلى وقف الحرب؟
فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لم يعد السودان أمام أزمة سياسية عادية يمكن إدارتها عبر جولات طويلة من التفاوض، بل أمام كارثة وطنية شاملة. ملايين السودانيين أصبحوا بين نازح ولاجئ، مدن وقرى دُمرت، الاقتصاد انهار، المؤسسات الوطنية تعطلت، والمواطن البسيط لم يعد ينتظر بيانًا سياسيًا جديدًا أو إعلانًا عن منصة جديدة، وإنما ينتظر خبرًا واحدًا: توقف الحرب.
في ظل هذا الواقع، فإن أي دعوة لإنشاء عملية سياسية جديدة، مهما كانت دوافعها حسنة، يجب أن تخضع لسؤال جوهري: هل ستقربنا من السلام أم ستضيف مرحلة جديدة من الانتظار؟
إن إنشاء أي مسار تفاوضي جديد ليس مجرد تغيير اسم أو تشكيل لجنة جديدة، بل هو عملية معقدة تحتاج إلى توافقات بين الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والمنظمات الإقليمية، والدول المؤثرة، كما تحتاج إلى تحديد المرجعيات، والتفويض، وآليات اتخاذ القرار، وقواعد المشاركة والضمانات. وهذه الإجراءات قد تستغرق شهورًا طويلة، وربما أكثر، بينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير ما تبقى من مقدرات الدولة.
والحقيقة أن السودان لا يعاني اليوم من نقص المبادرات، بل من كثرتها.
فمنذ اندلاع الحرب، شهدت الساحة السودانية مبادرات ومسارات متعددة، من جدة إلى الإيقاد، ومن الاتحاد الأفريقي إلى الأمم المتحدة، مرورًا بالمبادرات الإقليمية والدولية المختلفة، وصولًا إلى الآليات متعددة الأطراف. ولم يكن تعثر هذه الجهود بسبب غياب الأفكار، وإنما بسبب تعقيدات الصراع، وتضارب المصالح، وضعف الالتزام السياسي من أطراف الحرب، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن إضافة منصة جديدة إلى هذا المشهد المزدحم قد لا تكون الحل، بل قد تؤدي إلى فتح نقاشات جديدة حول المرجعيات والتمثيل والاختصاصات، في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى إجراءات عملية توقف نزيف الدم.
إن المشكلة الأساسية ليست في أسماء الآليات، وإنما في قدرتها على تحقيق اختراق حقيقي. فإذا كانت هناك ملاحظات على أداء الوسطاء، أو على مستوى التمثيل، أو على طريقة إدارة العملية، فإن الطريق الأكثر واقعية هو إصلاح هذه الاختلالات داخل الإطار القائم، من خلال توسيع المشاركة السودانية، وتعزيز الشفافية، وضمان الحياد، وتحديد أولويات واضحة تقود إلى وقف الحرب.
ومن القضايا التي تثار أيضًا التخوف من إغراق العملية السياسية بعدد كبير من القوى والتنظيمات التي لا تمتلك وزنًا سياسيًا أو حضورًا حقيقيًا في المشهد السوداني، بما قد يؤدي إلى إضعاف فاعلية التفاوض وإطالة أمده. غير أن هذا التخوف، وإن كان مفهومًا، لا ينبغي المبالغة فيه. فالمشاورات التمهيدية بطبيعتها تكون واسعة وشاملة، وتهدف إلى الاستماع إلى أكبر قدر ممكن من الآراء والاتجاهات، ولا تعني بالضرورة أن جميع من شارك فيها سيصبح طرفًا في المفاوضات النهائية. ففي معظم تجارب الوساطة الدولية، تتسع دائرة التشاور في المرحلة الأولى، ثم تضيق عند الانتقال إلى مرحلة التفاوض المباشر، حيث تُوجَّه الدعوات إلى الأطراف والقوى ذات الثقل السياسي والمجتمعي والقادرة على التأثير في تنفيذ أي اتفاق. لذلك، فإن المشاركة في المشاورات لا تمنح تلقائيًا مقعدًا على منصة التفاوض، وإنما تمثل فرصة لإبداء الرأي والإسهام في بلورة العملية السياسية، بينما تظل مرحلة التفاوض خاضعة لمعايير أكثر دقة تتعلق بالتمثيل والفاعلية والقدرة على الالتزام بمخرجات السلام.
كما أن التجارب الدولية تشير إلى أن الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والمنظمات الإقليمية، تعمل غالبًا في إطار شراكات متكاملة، وليس في مسارات متنافسة. وبالتالي فإن إنشاء إطار جديد يضم المؤسسات نفسها، مع تغيير الاسم أو الشكل، قد لا يغيّر شيئًا في جوهر العملية، ما لم تتغير قواعد إدارتها وصلاحياتها وآليات عملها.
إن الأولوية الوطنية اليوم يجب أن تكون واضحة: وقف إطلاق النار، ضمان وصول المساعدات الإنسانية، حماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين. وبعد ذلك يأتي الحوار السوداني الشامل لمعالجة جذور الأزمة وبناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
فوقف الحرب ليس نهاية العملية السياسية، بل هو بدايتها الحقيقية.
أما انتظار تسوية سياسية شاملة قبل إسكات صوت السلاح، فقد أثبتت تجارب كثيرة أنه قد يؤدي إلى إطالة النزاعات، لأن الأطراف المسلحة تستمر في تحسين مواقعها بينما يدفع المدنيون وحدهم الثمن.
لقد تعب السودانيون من المؤتمرات والبيانات والمنصات. وما يحتاجه المواطن اليوم ليس إعلان مبادرة جديدة، وإنما قرار شجاع ينهي هذه الحرب ويعيد للسودان فرصة البقاء.
إن الحكمة السياسية تقتضي البناء على الجهود القائمة، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، وتسريع الوصول إلى السلام، لا الدخول في دورة جديدة من إعادة تصميم المسارات.
لقد أصبح الوقت عاملاً حاسمًا في حياة ملايين السودانيين. وكل يوم يتأخر فيه السلام يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من التشريد، ومزيدًا من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
فالتاريخ لن يسأل كم عدد المبادرات التي أُطلقت، ولا كم عدد المنصات التي تشكلت، وإنما سيسأل: من امتلك الشجاعة لإيقاف نزيف الدم السوداني عندما كان الوقت ما زال ممكنًا؟
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى تسريع السلام، لا إلى إعادة تصميم مساراته، وإلى إصلاح العملية السياسية، لا إلى تأجيلها عبر فتح أبواب لمبادرات جديدة قد تضيف تعقيدًا إلى تعقيد، بينما ينتظر ملايين السودانيين نهاية هذه الحرب اللعينة بفارغ الصبر.
