شريان التنمية الغائب.. هل يُنقذ النقل النهري اقتصاد السودان؟

الخرطوم / الغد السوداني— أمين محمد الأمين

يقف النقل النهري في السودان عند مفترق طرق بين إرث تاريخي حافل وجدوى اقتصادية غير مستغلة، وبين واقع مشلول أخرج إحدى أرخص وسائط الترحيل وأكثرها استدامة من معادلة الإنتاج والصادر. وفي وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية جارفة وارتفاعاً باهظاً في تكاليف الشحن البري، يُعيد خبراء الاقتصاد تسليط الضوء على الممرات المائية باعتبارها “رأس الرمح” في أي خطة مرتقبة للتعافي الاقتصادي وإعادة هيكلة قطاع اللوجستيات.

دروس أوروبية

في مستهل تحليله، أكد الخبير الاقتصادي سماح الفاتح أن النقل النهري يمثل أحد أرخص خيارات النقل المتاحة وأكثرها استدامة لدفع عجلة التنمية وتعزيز التكامل الإقليمي، مشدداً على أن البلاد تفقد ميزات استراتيجية هائلة بتعطيل هذا المرفق الحيوي.

واستعرض الفاتح التجربة الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، موضحاً أن النقل النهري أسهم بفاعلية في إنعاش الاقتصاد الأوروبي عبر نقل المواد الخام الحيوية وربط الموانئ البحرية بمناطق الإنتاج الداخلية، فضلاً عن تخفيف الضغط عن شبكات الطرق والسكك الحديدية التالفة. ولفت إلى أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا اعتمدت على الأنهار والقنوات المائية (كنهري الراين والدانوب) لنقل مواد البناء الأساسية كالصلب والفحم، مما قدم بديلاً اقتصادياً وموفراً للطاقة أسهم في تسريع وتيرة “المعجزة الاقتصادية” بأوروبا الغربية.

 

جذور تاريخية

ونوّه الفاتح بأن البداية الفعلية للملاحة النهرية المشتركة بين السودان ومصر تعود إلى حملة محمد علي باشا عام 1820م بإدخال البواخر البخارية، مبيناً أنه تلا ذلك تشييد أول حوض لبناء السفن بمنطقة الشجرة في الخرطوم عام 1874م، ثم حوض الخرطوم بحري لتأمين حركة السفن الصاعدة والهابطة، وصولاً إلى تطوير ميناء وادي حلفا عقب قيام السد العالي.

 

بوابة الجنوب

وأوضح الفاتح أن خط (كوستي – جوبا) الممتد لنحو 1500 كيلومتر عبر النيل الأبيض يُعد أهم ممر ملاحي استراتيجي، مضيفاً أن ميناء كوستي يمثل “بوابة الجنوب” التي تربط شبكات الطرق والسكك الحديدية القادمة من الشمال والشرق بالمجرى المائي المتجه جنوباً. وأشار إلى أن الخط تميز بكفاءة اقتصادية عالية في نقل الحبوب، السكر، الأسمنت، والوقود — لا سيما خلال فصل الخريف الذي تتعطل فيه الطرق البرية الوعرة — فضلاً عن دعم رحلات الإغاثة الأممية لجنوب السودان بنحو 100 ألف طن سنوياً عبر أساطيل الصنادل والجرارات الضخمة.

 

تراجع وسياسات

من جانبه، نبه المحلل الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، إلى أن توقف قطاعي النقل النهري والسكك الحديدية يُكبد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، مشدداً على أنهما الوسيلتان الأقل تكلفة في منظومة الشحن مقارنة بالنقل البري المكلف.

وكشف د. الفاتح عثمان عن أن توقف الملاحة المائية لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة قرارات وسياسات حكومية تعود إلى عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، والتي أدت إلى تجفيف المواعين النهرية وحصر نطاق عملها في الشريط الرابط بين مدينة كوستي وموانئ دولة جنوب السودان.

 

خلافات حدود

ويرصد سماح الفاتح محطات هذا التعثر التاريخي والأمني، مشيراً إلى أن الملاحة بين كوستي وجوبا توقفت بصفة رئيسية إثر تداعيات انفصال جنوب السودان عام 2011م وما تبعها من خلافات حول الحدود وعائدات النفط، وصولاً إلى أحداث هجليج في 2012م التي دفعت إلى إغلاق الحدود نهائياً لدواعٍ أمنية، واحتجاز جوبا لبعض القطع النهرية للقطاع الخاص واستخدامها عسكرياً. وأضاف أن تدهور الأوضاع الأمنية بفعل الحرب الأهلية في دولة الجنوب عام 2013م عزز امتناع الشركات الحكومية والخاصة عن المجازفة بأسطولها المائي.

وعلى الصعيد الشمالي، لفت الفاتح إلى توقف حركة الملاحة بين السودان ومصر عام 2019م جراء الاضطرابات السياسية؛ حيث ظل الخط الرابط بين ميناء السد العالي بأسوان ووادي حلفا معطلاً لست سنوات حتى أُعيد استئنافه مؤخراً في مايو 2026م عبر الباخرة “سيناء” لدعم العودة الطوعية للمواطنين، قبل أن يشهد تعثراً مؤقتاً إثر تعقيدات إدارية وأمنية شهدها ميناء السد العالي.

 

جدوى اقتصادية

وشدد سماح الفاتح على أن النقل النهري يوفر تكلفة ترحيل الطن بنسب تتراوح بين 30% إلى 40% مقارنة بالشاحنات البرية، لافتاً إلى أن صندلاً نهرياً واحداً يحمل ما يوازي حمولة 40 شاحنة ثقيلة. وأكد أن هذه الكفاءة تخفف الضغط والتلف عن شبكات الطرق، وتوفر العملة الصعبة بخفض استيراد الوقود وقطع الغيار، فضلاً عن تعزيز الميزة التنافسية للصادرات الوطنية، وضمان تدفقات نقدية مستمرة من رسوم عبور بضائع دول حوض النيل الحبيسة التي تتخذ من السودان ممراً حصرياً لها.

 

ربط وتكامل

وفي السياق ذاته، أكد د. الفاتح عثمان محجوب أن إعادة تفعيل الملاحة النهرية لتؤدي دورها الحيوي تتطلب إرادة سياسية جادة وخططاً استراتيجية محكمة. ولفت إلى عقدة لوجستية جوهرية تتمثل في أن المجرى النهري لا يتصل بميناء بورتسودان المائي، مما يستدعي تشييد شبكة لوجستية متكاملة تربط بين السكك الحديدية والنقل النهري والبري في منظومة واحدة لضمان انسياب الحركة التجارية.

وطالب د. الفاتح عثمان بضرورة تأسيس شركة مساهمة عامة متخصصة في نقل وتداول السلع والبضائع من ميناء بورتسودان ومدينة وادي حلفا إلى مختلف الولايات والمدن السودانية وبالعكس. ونوّه بأن قيام هذه الشركة من شأنه تقديم أسعار تنافسية للمستوردين والمصدرين، لا سيما في ظل الارتفاع المتصاعد لأسعار الوقود، ووصول تكلفة الشحن البري إلى مستويات أضحت تعرقل صادر البلاد.

إصلاح وهيكلة

واختتم الخبيران إفادتيهما برسم خارطة طريق لتجاوز الأزمة؛ حيث يرى د. الفاتح عثمان أن تحقيق التكامل بين الوسائط الثلاث (النهري، السككي، والبري) عبر كيان وطني متخصص هو المخرج العملي لخفض تكاليف الترحيل وتخفيف الضغط عن الطرق البرية.

بينما حدد سماح الفاتح ستة محاور لإصلاح القطاع، تشمل: إجراء إصلاحات تشريعية لبيئة الاستثمار تقديم حوافز لرؤوس الأموال، والتحول الرقمي لبناء قاعدة بيانات دقيقة، واعتماد نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T) لتأهيل الموانئ والمحطات اللوجستية، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وتطبيق أنظمة النقل الذكي لإدارة حركة أسطول الناقلات، إضافة إلى اقتناص فرص “التمويل الأخضر” المتاح عالمياً باعتبار النقل المائي صديقاً للبيئة وقليل الانبعاثات.

 

شرايين دافقة

إن إعادة الروح إلى شريان النقل النهري في السودان لم تعد مجرد خيار لوجستي لمفاضلة التكاليف، بل أضحت ضرورة سيادية واقتصادية ملحة؛ فرِهان الدولة على تحريك عجلة التنمية وتخفيض كلفة الإنتاج سيظل ناقصاً ما لم تُحرر المياه العذبة من عثراتها الأمنية والتشريعية، لتتحول مجاري النيل من خطوط تم تماس حذر إلى شرايين دافقة للتجارة والتكامل الإقليمي.