
حين يغنّي التراب ويهتز الجسد… رحلة «المردوم»
في السودان، لا تُولد الموسيقى بين الجدران، ولا تتعلّم خطواتها الأولى في المعاهد، بل تنبع من الأرض مباشرة، من تصادم الأقدام بالتراب، ومن تصفيق الأيدي التي تعرف الإيقاع قبل أن تُسميه، ومن أجساد تحفظ النغم بالفطرة. هنا، حيث يصبح الجسد آلة، والفضاء مسرحًا مفتوحًا على السماء، يتقدّم «المردوم» بوصفه أحد أكثر الإيقاعات التصاقًا بالبيئة، وأكثرها تعبيرًا عن التداخل العميق بين العربي والأفريقي في هوية السودان.
«المردوم» ليس إيقاعًا للغناء أو الرقص فحسب، بل طقسًا اجتماعيًا كاملًا، تُستعاد فيه معاني الشجاعة والفروسية والغزل، ويُؤدّى في تفاصيل الحياة اليومية كما في مواسم الفرح والحصاد. في ليالي كردفان ودارفور القمرية غرب السودان، بعد أن تهدأ الحقول ويبرد النهار، يبدأ التراب في الغناء.
من «المردوع» إلى «المردوم»
بحسب الباحث في الموسيقى الشعبية الأستاذ دفع الله الحاج، تعود جذور «المردوم» إلى إيقاع أقدم عرفته قبائل البقارة باسم «المردوع». ومع الزمن، تحوّل الإيقاع وتبدّلت تسميته، دون أن ينفصل عن أصله الأول. فـ«المردوم» مشتق من «الردم»، أي وضع الشيء فوق الشيء، في استعارة شفيفة لضرب الأقدام المتكرر، وكأن الراقصين يعيدون بناء علاقتهم بالأرض خطوة بعد خطوة.
ويؤكد الحاج لـ«الغد السوداني» أن «المردوم» تراث حي، لم يُحبس في شكل جامد، بل تطوّر طبيعيًا مع المجتمع، محتفظًا بجوهره: الغناء الجماعي، والتصفيق، وضرب الأقدام، بلا وساطة الآلات.
حلبة الرقص… حيث تقود النساء الإيقاع
داخل حلبة «المردوم»، لا شيء يحدث مصادفة. تصطف الفتيات في دائرة، ينسجن الغناء في نسيج جماعي، في حين يقف الشبان خلفهن بكامل زينتهم التقليدية؛ كشاكيش من السعف مربوطة بالأرجل، وسكين على الذراع، رمزًا للشجاعة.
في القلب تقف «القلالة»، الصوت القائد والمايسترو غير المرئي، تتحكم في الإيقاع، وتفتح وتغلق دوائر الحماسة. من حولها، تؤدي «الشيالة» دور الردّ الجماعي، فتتماوج الأصوات كما تتماوج الأجساد، وتدخل الراقصات الحلبة وتغادرها دون أن ينكسر النبض.
إيقاع أفريقي بكلمات عربية
في حديث لـ«الغد السوداني»، يرى الأكاديمي الموسيقي وعازف الفلوت د. كمال يوسف أن «المردوم» إيقاع ثلاثي، منبثق من الجسد الإنساني نفسه، يشبه في حركته جري الخيل. إيقاعٌ يعكس بيئة رعوية قاسية، تتطلّب من الإنسان يقظة دائمة، وشجاعة، وقدرة على التكيّف.
ويشير يوسف إلى أن «المردوم» مرّ بتحولات سابقة، من «الدروابة» إلى «الساوريت»، وهي أشكال غنائية راقصة تتغنّى بالقيم الفاضلة والغزل، وتختلف تقنيًا في ضربات القدم، لكنها تشترك في الروح نفسها.
تلاقح ثقافات عبر قرون
أما الباحث في التراث الغنائي إبراهيم بقادي، فيربط نشأة «المردوم» بالهجرات الطويلة لقبائل البقارة، من الجزيرة العربية، مرورًا بشمال أفريقيا وغربها، وصولًا إلى السودان. رحلة تاريخية طويلة أفرزت مزيجًا ثقافيًا نادرًا: كلمات عربية، وإيقاع ورقص أفريقيان في البنية والروح.
ويضيف بقادي أن البيئة الرعوية، بقسوتها وتنوّعها، تركت أثرها الواضح على الزي المزركش، وعلى الحركات الجسدية، وعلى الصور الشعرية التي تستدعي عالم الحيوان والطبيعة، كأن الإنسان يعيد تعريف نفسه من خلال ما يحيط به.
من البوادي إلى المسارح العالمية
لم يبقَ «المردوم» أسير المكان، فقد حمله الفنان الراحل عبد القادر سالم من ساحات القرى إلى المسارح العالمية، بأعمال خالدة مثل «الليلة غاب تومي»، حتى استحق لقب «ملك المردوم». وساهم الفنان إبراهيم موسى أبّا في تقديمه بصيغ حديثة، حافظت على روحه، دون أن تفقده جذوره.
بهذا العبور، تحوّل «المردوم» إلى إيقاع سوداني جامع، يُجسّد ما وصفه الراحل الصادق المهدي بـ«حليب وكاكاو»، ذلك المزيج الذي لا يُمحى، والذي تصنع منه السودان هويته، وهو يرقص… وتغنّي الأرض تحت قدميه.
