سارة الجاك تحصد منحة «مفردات» عن روايتها “معزوفة مريم”

الخرطوم/ الغد السوداني – في زمنٍ تبدو فيه الحروب أعلى صوتاً من الكتب، يأتي خبر فوز الروائية السودانية سارة الجاك بمنحة التفرغ الأدبي من مؤسسة “مفردات” كإشارة إلى أن الأدب السوداني لا يزال قادراً على إنتاج أسئلته الكبرى، حتى وهو يكتب من قلب الخراب.

اختير مشروع روايتها الجديدة “معزوفة مريم” ضمن قائمة الفائزين بمنحة المؤسسة، بعد منافسة ضمت أكثر من 160 مشروعاً أدبياً من مختلف أنحاء العالم العربي. لكن ما لفت لجنة التحكيم لم يكن الفكرة وحدها، بل الطريقة التي تقترح بها الجاك إعادة تخيل الرواية نفسها.

فبحسب حيثيات المنحة، لا تقوم “معزوفة مريم” على البناء السردي التقليدي، بل تتشكل كـ”أوركسترا روائية”، حيث تتجاور معزوفات مستقلة تتكامل عبر الإيقاع والتكرار والتناغم، بدلاً من التسلسل الخطي المعتاد. إنها محاولة لكتابة رواية تستعير قوانين الموسيقى أكثر مما تستعير قواعد الحكي الكلاسيكي.

في قلب هذا العالم تقف “مريم”، طفلة يهجرها والدها يوم ولادتها، لتبدأ رحلة طويلة نحو التعافي. غير أن الشفاء هنا لا يأتي عبر الأبطال أو المعجزات، بل عبر الموسيقى، وعبر لقاءات مع كائنات بشرية وأخرى تنتمي إلى عوالم تتجاوز الواقع. تمتزج الطبيعة بالماورائيات، ويتحول الخيال إلى وسيلة لفهم الألم، لا للهروب منه.

هذا المزج بين الفلسفة والأسطورة والموسيقى ليس جديداً على مشروع سارة الجاك، التي تُعد واحدة من أبرز الأصوات الروائية السودانية في العقود الأخيرة. فمنذ أعمالها السابقة مثل “خيانتئذٍ” و**”السوس”** و**”الأحجية”**، ظلت تشتغل على تفكيك الواقع عبر لغة مشغولة بعناية، وأسئلة تتجاوز المباشر إلى الإنساني والوجودي، وهو ما أهّلها سابقاً للفوز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي.

وتُعد مؤسسة “مفردات”، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، واحدة من أبرز المؤسسات الداعمة للممارسات الفنية والأدبية المستقلة في العالم العربي. وتمنح برامجها للمبدعين فرصة التفرغ الكامل لإنجاز مشاريع ذات طابع تجريبي وطموح، بعيداً عن ضغوط الإنتاج السريع أو متطلبات السوق الثقافية.

فوز سارة الجاك لا يمثل إنجازاً شخصياً فحسب، بل يضيف فصلاً جديداً إلى حضور الرواية السودانية في المشهد العربي. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأخبار السودان السياسية والإنسانية، يواصل الأدب السوداني إثبات أن البلاد لا تُختزل في الحرب، وأن ثمة أصواتاً لا تزال تكتب عن الجمال، والموسيقى، والشفاء، والإنسان.

ربما لهذا تبدو “معزوفة مريم” أكثر من رواية قيد الكتابة؛ إنها محاولة لصياغة لغة تستطيع أن تعزف وسط الضجيج، وأن تمنح القارئ مساحة للتأمل في عالم فقد كثيراً من توازنه، لكنه لم يفقد قدرته على الحلم.