سرديات
عقلي يقول إنشرْها..ووضعي السياسي يقول إياك..
من روبي، رسالتان أضاءتا لي الطريق، وازالتا خيوطاً من عتمة شابت قراءتي لواحدة من أكثر الروايات العالمية سخرية..
حسناء بريطانية اسمها روبي، تحدثت عنها في سرديات سابقة، منها ما جاء في سياق الفعالية التي أشرفت هي على أدق تفاصيلها لتأبين مطربنا الكبير مصطفى سيد أحمد، رحمه الله..روبي تأثرت بشدة ذات أمسية، كان الحديث فيها عن أداء مصطفى لأغنية (اذا ضاعت سنيني)..واعقب تلك الأمسية-بعد أسبوعين- خبر رحيله عن دنيانا في العاصمة القطرية..روبي اسمت مولودها الأول Electus تيمناً بمصطفى و Electus هو الاسم المقابل لمصطفى في مجتمعها..
تعرفت على روبي أول مرة، وهي طالبة تعمل على نيل شهادة الدكتوراه في الأدب الانجليزي في جامعة لندن.. وكانت تزور زوجها من وقت لآخر في عمان، حيث كان يعمل مهندس نفط موفدا من شركة شل للعمل في الشركة التي تضمني معه..زارني ذات صباح وطلب مني أن استكتب زوجته في المجلة التي كانت تصدرها الشركة والتي كنت أراس تحريرها لسنوات، (حتى لا تهجرني من الملل -قالها مازحا ويقصد بقاءها لوحدها في المنزل لساعات طويلة بدون عمل)..ظلت روبي تكتب مقالات للمجلة حتى أثناء وجودها في لندن..توطدت علاقتي بها..أكملت أطروحتها واستوعبتها الجامعة ضمن طاقمها في قسم الآداب..في إحدى رسائلها حدثتني عن وجودها في فنزويلا كأستاذة زائرة في الجامعة المركزية هناك لتشرف على أطروحات اكاديمية عن رواية عشيق الليدي تشارلي:
تحليل المشهد العاطفي في رواية عشيق الليدي تشارلي:
“Beyond The Veil:”
*Unpacking The Emotional Landscape Of Lady Chaterley’s Lover*
في آخر رسالة منها قالت إنها ما زالت في فنزويلا حيث تشرف على دراسات تتحدث عما يمكن تسميته بالمفارقة المأسوية Tragic Irony في الأدب-مزرعة الحيوانات لجورج اورويل نموذجا..
بدا لي الموضوع (Tragic Irony) غريبا فسألتها عنه..
قالت ثيمة الرواية كلها تدور حول المفارقة المأسوية وإن تفاوتت حدتها من شخص لآخر..كل الحيوانات تدرك أن ما تقوم به بعد ثورتها خطأ ولكنها مرغمة على ذلك للحفاظ على الثورة..
ثم كان ما كنت أجهله تماما..
ما كنت أعرف أن سجالا أدبيا رفيع المستوى جرى بين الشاعر الأمريكي الانجليزي الأشهر تي. أس إليوت T.S.Eliot صاحب الأرض اليباب والرجال الجوف The Waste Land
و The Hollow Men والروائي الانجليزي المعروف جورج اورويل صاحب مزرعة الحيوانات..
روبي ارسلت لي مقتطفات عديدة من رسائل بين المبدعين الكبيرين لا تقل فائدتها الأدبية عن الفائدة التي تحققها الرواية نفسها-لا سيما في سياق المفارقة المأسوية..!
في غرفة صغيرة تحمل الرقم ١٠١ في هيئة الاذاعة البريطانية خلال النصف الاول من أربعينيات القرن الماضي، أكمل جورج اورويل تقريره الصحفي ثم أطل برأسه على الشارع من النافذة الزجاجية الوحيدة في مكتبه..
ما شاهده في اطلالته تلك قلب حياته رأساً على عقب..فالرجل لم يكن يخفي مقته لهتلر لدرجة أنه قال في مقال له:
Hitler must be defeated even if it’s the devil himself we use to defeat him..
هتلر يجب أن يهزم حتى لو جئنا بالشيطان نفسه إلى صفنا لهزيمته..
ولكن!
كان في الشارع حين أطل برأسه عبر النافذة ما أدهشه أكثر..صبي يقود عربة يجرها حصان وعليها ملصق ضخم بالوان زاهية..
الملصق عليه صور تشرشل وروزفلت وجوزيف ستالين وتحتها عبارة تقول:
الثلاثة الكبار : The Big Three..
أورويل يريد هزيمة هتلر حتى لو استعانت بريطانيا بالشيطان ولكنه في الوقت نفسه يخشى من ستالين اذا انتصر الحلفاء على هتلر..لذلك قال “هتلر يجب أن يهزم حتى لو استعنا بالشيطان على هزيمته” واضاف “لكنكم (الحكومة البريطانية) استعنتم بشيطان لا يروق لي (يقصد ستالين)..”..
في تلك اللحظة قرر ان يترك عمله الصحفي ويتفرغ للكتابة الابداعية..فكانت مزرعة الحيوانات كاول عمل كبير له..
جلنا إن لم يكن كلنا، قرأ هذه الرواية السياسية، التي أفرغ فيها اورويل فنه الساخر متخذا من ستالين ونظام حكمه الشمولي مصدرا للسخرية والتهكم..
أشهر دار نشر في بريطانيا واوروبا في تلك الأيام كانت فيبر آند فيبر Faber & Faber..
وكان على رأس هذه المؤسسة الأدبية الضخمة الشاعر الأمريكي الانجليزي الأشهر تي أس إليوت..
اورويل دفع بروايته لدار فيبر آند فيبر ذائعة الصيت..
إليوت يقرأ الرواية خلال ساعات بعين الناقد الحصيف..يقرأها لمرة ثانية وثالثة، تدهشه الفكرة فيعجب بالرواية لحد كبير..
ولكن!
“لكن” قالت معاجم اللغة- إنها أداة استدراك تفيد نفي الحكم عما قبلها واثبات عكسه لما بعدها..
كانت كلمة لكن هذه، هي الفخ الذي نصبه اورويل بذكاء، فوقع فيه اليوت، وتهاوت مع وقوعه، سمعته لدى عشاق فنه..
فكلمة “لكن” هذه كانت المحور الذي تدور حوله رواية اورويل: مزرعة الحيوان..
“جميع الحيوانات متساوية”
كان هذا دستور الحكومة الجديدة بعد ان استولت الحيوانات على المزرعة وطردت صاحبها الإنسان..
كل “ما”يمشي على أربع أو جناحين، فهو (مواطن) له كافة الحقوق بموجب الدستور..وكل “من” يمشي على قدمين، فهو عدو لنا لا نأمن شره أبدا..
الخنازير بوصفها قادة التمرد الذي أطاح بصاحب المزرعة الانسان؛ يشعرون بأنهم قادة؛ والقادة لا بد أن تكون مرتبتهم أعلى من العامة..
إذن كيف تميز الخنازير نفسها عن بقية الحيوانات-بوصفها قادة الثورة على الإنسان الظالم ؟ ..
تساءلت الخنازير بمكر ودهاء!..
فالدستور المتفق عليه ينص بصريح العبارة:
“جميع الحيوانات متساوية”
لا فرق لقط على كلب ولا لكلب على أسد ولا لأسد على حمار..حقوق المواطنة مكفولة للجميع..
الخنازير لا تريد أن تلغي الدستور..فإلغاؤه إن تم؛ سيشعل تمردا..
هنا يظهر دور سنوكر وزير الاعلام ..
تفتق ذهنه وجاء بكلمة (لكن):
هنا جاءت كلمة (“لكن”-السلاح) ليقرأ الدستور، دون أن يلغى، كما يلي:
جميع الحيوانات متساوية؛ (لكن) بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها..
جورج اورويل أحدث انقلابا بدون دبابات ولا مدافع ولا رشاشات..
كلمة واحدة..هي (لكن..)..
“لذلك نتساءل ما الذي تدل عليه كلمة “لكن” في الدستور بعد انسراب كلمة لكن خلسة إليه؟”
(لكن) تلغي ما قبلها.. هكذا قالت المعاجم وما كذبت!
بمعنى أن عبارة (جميع الحيوانات متساوية) أُلغيت وحلت محلها عبارة
(بعض الحيوانات أكثر مساواة) بعد أن أفسحت كلمة (لكن) لها المجال، دون ان تلغي الدستور، وتحدث بلبلة-بهدوء!
الدستور بصيغته الجديدة يُظهر-كما يريده أورويل- كيف تستخدم السلطات كلمة “لكن” لنسف القوانين دون أن تحذفها صراحة..
كلمة (لكن) أفرغت كلمة “المساواة” من معناها..فعبارة
“أكثر مساواة” تعبير متناقض منطقياً. فالشيء إما متساوٍ أو غير متساوٍ…ولكن اورويل جاء بها كمفارقة لفظية (بمعنى أن تأتي بكلمتين متناقضتين في المعنى (أكثر ومساواة) ليحدث الناتج مفارقة وهي ما أرادها أورويل لتكون افسادا للغة حين يتغول عليها القادة!
Oxymoron;
A figure of speach that deliberately pairs two contradicting or opposing words together. This deliberate clash is used to create a dramatic effect, add nuance or highlight a complex truth..
فبربطهما بـ “لكن” يُبيّن أورويل كيف يُفسد أصحاب السلطة اللغة. فتصبح “المساواة” تعني نقيضها…
وفي هذا السياق تكون “لكن” هي النقطة التي انقلبت عندها الثورة وتحولت إلى الشيء الذي كانت تقاومه.
أما كلمة لكن في الرسالة التي وجهها اليوت لاورويل فكانت هي الفخ الذي نصبه اورويل…أي ان (لكن) كما الغت الدستور لصالح الخنازير في الرواية (دون أن يحس بالالغاء الآخرون) فإنها تبرر لاليوت موقفه الرافض لنشر الرواية رغم علمه بقيمتها وضرورة نشرها!
وهذا ما تعرّفه روبي Ruby بالمفارقة المأسوية Tragic Irony..
اليوت في رسالته قال (ولم يقل بوضوح) إن ستالين اليوم حليف لبريطانيا في حربها ضد هتلر..وبالتالي نشر الرواية في هذا التوقيت سيجعله هدفا لسهام الحكومة البريطانية وربما الشعب البريطاني..
اليوت كان يعرف قيمة الرواية و(لكن) الكلمة السلاح كانت حاضرة وبقوة…
اليوت في رسالته يقول: من الضروري نشرها وهذا اعتراف أدبي واضح بقيمة الرواية..
إليوت قرأ الرواية لا كقارئ عادي وإنما كناقد يعرف غث الكلام من سمينه فرأى أن الرواية:
– مكتوبة بإتقان شديد وببساطة قاتلة (تفهمها كل شرائح المجتمع-وهنا الخطورة!)..
-نقد ذكي وعميق لكل الثورات وليس لروسيا فقط..
-كتاب مهم ولا بد للعالم أن يقرأه
يعني من ناحية أدبية: “هذا كتاب عظيم ولازم ينشر”
ولكن!
ولكننا لا نستطيع نشرها (وهنا يظهر الخوف السياسي)..
سنة 1944 بريطانيا كانت حليفة للاتحاد السوفيتي ضد هتلر.
“فابر آند فابر” كانت دار نشر محترمة ولها علاقات مع الحكومة ووزارة الإعلام.
ونشر الرواية يعني:
– إهانة مباشرة للحليف السوفيتي
– الحكومة قد تحظر الكتاب
– دار النشر قد تخسرعقود ودعم الحكومة لها بالاعلانات..
– ليس من المستبعد ان تلصق بالدار تهمة ( مناهضة الحرب على هتلر في حلف يضم ستالين)..وذلك بالطبع شر مستطير!
فـعبارة “لا نستطيع” كما جاءت في رسالة الشاعر الكبير، تعني أن *المناخ السياسي* يحول دون النشر..
ثم..
اورويل ياخذ روايته لدار نشر مغمورة اسمها Secker & Warburg..دار النشر الجديدة توافق على نشر الرواية دون تحفظ..
يتزامن النشر مع نهاية الحرب، فتجد الرواية رواجا ما بعده رواج..ذاع صيت دار النشر الصغيرة وأفل نجم فيبر آند فيبر تدريجيا..
وحيتها قال اليوت: *لقد كان قراري بالرفض خاطئا..وستدفع دار فيبر آند فيبر الثمن غاليا*..وهو ما كان..(مفارقة مأسوية في أبهى صورها كما تقول روبي!)..
في رده على رسالة اليوت قال الروائي صاحب مزرعة الحيوانات:
“If I were in your position I should certainly do exactly the same. Common sense would dictate it. But I do wish that people who are in a position to do so would be a little more honest about it.”
والعبارة تقول بالعربية:
*لو كنت مكانكم لفعلت نفس الشيء بالضبط. المنطق السليم يملي علينا ذلك. ولكني وددت لو أن الناس الذين يشغلون موقعا هم اصحاب القرار فيه لفعل ذلك؛ ليتهم كانوا أكثر صدقاً بعض الشيء….*
*قول أورويل “لو كنت مكانكم لفعلت نفس الشيء” عبارة قاسية:*
– الاعتراف بالواقع السياسي الذي يجبرك على قول ما لا تريد: سخرية مرة..
أورويل يفهم تماما أن إليوت خائف من الحكومة ومن قطع العلاقات مع السوفييت.
فبقوله: “نعم أعرف إنك جبان سياسياً، ولو كنت في مكانك لفعلت الشيء نفسه فإنه يقر بالجبن لكي يفضح خصمه!
أهم جزء في الرسالة هو “*ولكن وددت لو كنتم أكثر صدقاً*”..
اورويل يعني بذلك : المشكلة ليست في رفضك. المشكلة هي أنك كذبت على نفسك وعلي…
فبدل أن تقول “نخاف نشرها” قلت “ضروري نشرها”..ولم تفعل!
وهذا هو النفاق الذي كان اورويل يركز عليه في الرواية:
– إسقاط على الرواية نفسها..هذه الجملة في _مزرعة الحيوان_ جاءت في سطر واحد:
الخنازير قالت “نحن مع المساواة ولكن…”
إليوت قال : “نحن مع النشر ولكن…”
أورويل: “أنا متفهم ولكن…”
أورويل يريد أن يقول للشاعر الكبير إنك تقوم- دون أن تشعر- بدور وزير الاعلام سنوكر في المزرعة..
