اقتصاد الحرب في السودان.. عندما تصبح ثروات البلاد وقودًا للصراع

استاذة نون كشكوش تكتب ..

لطالما كان صراع الثروة والسلطة هو العامل الأساسي لاندلاع الحروب في السودان، ولكن أن تصبح ثروات البلاد هي أحد أبرز مغذيات الصراع الأساسية وركيزة رئيسية لاستمراره، فهو ما يعد تطورًا في حرب السودان الحالية.

اقتصاد الحرب يعني استغلال موارد الدولة واقتصادها وتوجيهها لخدمة العمليات العسكرية، وفي الحروب الأهلية، حيث تنشط لا مركزية الدولة، يسهل لأطراف الصراع فرص التهريب والابتزاز وفرض الرسوم والإتاوات والفساد، وينشط التحايل على نظام الدولة.

ولأن السودان غني بموارده الطبيعية من ذهب وصمغ عربي وثروة حيوانية، فقد ساهمت هذه الموارد في تغذية سلاسل الإمداد للطرفين، وكانت سببًا أساسيًا في تدخل دول كثيرة في حرب السودان لارتباط مصالحها الاقتصادية بمناطق سيطرة أطراف الصراع.

وجاءت العقوبات الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي بشأن تصدير الذهب السوداني إلى الأسواق الأوروبية كواحدة من أدوات تجفيف موارد تغذية الصراع، من شراء السلاح ودفع رواتب المقاتلين وغيرها من المصروفات. واستندت هذه العقوبات إلى تقارير استقصائية أعدتها مراكز دراسات وسياسات عالمية.

لا يقتصر الجدل حول الذهب السوداني على كونه مصدرًا لتمويل أطراف النزاع، بل يمتد إلى سلاسل التوريد العالمية.

ففي تقرير نشرته منظمة Global Witness عام 2020 بعنوان “تحت اللمعان: قصة اثنين من مصافي الذهب”، خلصت المنظمة إلى أن مصفاة كالوتي في الإمارات حصلت على كميات كبيرة من الذهب السوداني، بعضها يُرجح ارتباطه بمناطق النزاع في دارفور، قبل أن ينتقل جزء من هذا الذهب إلى مصفاة فالكامبي السويسرية، إحدى أكبر مصافي الذهب في العالم.

وأشار التقرير إلى أن استمرار شراء الذهب من موردين ذوي مخاطر مرتفعة، بينهم البنك المركزي السوداني خلال سنوات كان يشتري فيها الذهب من مناطق يسيطر عليها أطراف النزاع، يثير تساؤلات بشأن فعالية إجراءات العناية الواجبة في قطاع الذهب العالمي. كما انتقد التقرير دور هيئات الاعتماد والرقابة، معتبرًا أن ضعف الإشراف سمح بدخول الذهب المرتبط بالنزاعات إلى الأسواق الدولية وسلاسل توريد شركات عالمية.

ورغم أن الشركتين نفتا ما ورد في التقرير وأكدتا التزامهما بمعايير التوريد المسؤول، فإن نتائج التحقيق عززت النقاش الدولي حول العلاقة بين تجارة الذهب السوداني واقتصاد الحرب، وأصبحت لاحقًا من بين العوامل التي دفعت الحكومات الأوروبية إلى تشديد الرقابة والعقوبات على تجارة الذهب المرتبطة بالسودان، في إطار محاولات الحد من الموارد المالية التي قد تُستخدم في إطالة أمد الصراع.

ولا توجد إحصاءات دقيقة لحجم الذهب المهرب من السودان، لكن تقديرات رسمية ودولية تشير إلى أن الجزء الأكبر من الإنتاج كان يغادر البلاد عبر قنوات غير رسمية. ففي بعض السنوات، قُدرت نسبة الذهب المهرب بما يتراوح بين 60 و80% من إجمالي الإنتاج.

وهذا ما أكدته بريطانيا أمس في حزمة العقوبات التي أصدرتها في مواجهة أفراد وشركات يشتبه في تمويلها لأطراف الحرب عبر شركات عقارات واستثمارات في دبي وهونج كونج والسودان، والتي قدرت حجم الذهب المهرب بنحو 1.5 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025 من السودان، والذي تُستغل عائداته في تمويل العمليات العسكرية.

أصبح اقتصاد الحرب أحد العوامل الرئيسية في استمرار النزاع في السودان وفقًا لتقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

ويشير التقرير إلى أن أطراف النزاع تعتمد على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والسلع الاستراتيجية لتوليد الإيرادات، ما أدى إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، بما في ذلك تجارة الصمغ العربي. ويوضح أن الصمغ، الذي كان السودان يوفر ما بين 70 و80% من صادراته العالمية قبل الحرب، أصبح يتعرض للنهب والابتزاز والتهريب عبر الحدود، مع صعوبة متزايدة في تتبع منشئه.

كما يدعو التقرير الدول والشركات إلى تشديد إجراءات العناية الواجبة وتعزيز تتبع سلاسل التوريد، لضمان ألا تسهم التجارة في تمويل النزاع أو في انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي المقابل، من الضروري محاصرة أطراف الحرب اقتصاديًا، وملاحقة أموال الشركات التي تغذي اقتصاد الحرب، وفرض عقوبات اقتصادية عليها. ومن الضروري أيضًا العمل على وقف الحرب، باعتبارها صانعة البيئة الخصبة لنهب موارد البلاد المادية واستنزاف موارده البشرية.