حين بكت ارقي اسمها
ابراهيم سالكا يكتب ..
هناك رجال لا يرحلون وحدهم بل ترحل معهم مرحلة كاملة من الذاكرة ويغيب برحيلهم صوت ظل زمنا طويلا جزءا من وجدان الناس. وهغناك أسماء لا تكون مجرد لقب يميز صاحبها وإنما تصبح وطنا يسير على قدمين وتاريخا ينطق بلسان إنسان. ومن هؤلاء كان عبد الرحيم أرقي ذلك الفنان الذي لم يحمل اسم أرقي على أوراقه الرسمية أو في بطاقات التعريف فحسب وإنما حملها في صوته وروحه وسيرته حتى غدا الاسم والإنسان شيئا واحدا لا يكاد الناس يفرقون بينهما.
اليوم فقط يمكن القول إن أرقي قد وارت الثرى من حمل اسمها قيمة ومعنى. فليس كل من انتسب إلى مكان استطاع أن يجعله حاضرا في ضمير الوطن كما فعل عبد الرحيم. لقد كان الاسم عنده رسالة والانتماء مسؤولية والفن وسيلة لرد الجميل للأرض التي أنبتته وللنيل الذي سقاه وللنخيل الذي شهد طفولته وللناس الذين منحوه محبتهم دون قيد أو شرط.
سبحان الله لقد عرفت أرقي عبر تاريخها الطويل مبدعين كبارا وشعراء وفنانين تركوا بصماتهم في الوجدان السوداني وكان السلطان صديق أحمد واحدا من تلك القمم التي يصعب تجاوزها. ومع ذلك ظل اسم أرقي حين يرد على ألسنة الناس ينصرف مباشرة إلى عبد الرحيم وكأن الأقدار اختارت أن تجعل هذا الاسم الفني وقفاً عليه وأن تجعله هو الوقف الجميل على اسمها.
لم يكن ذلك صدفة ولا ضربة حظ وإنما كان ثمرة صدق نادر. فقد آمن عبد الرحيم بأن الفنان الحقيقي لا يغني لنفسه وإنما يغني لأهله ولبيئته وللناس الذين يشبهونه. ولذلك لم يكن صوته مجرد وسيلة للطرب وإنما كان وعاء لذاكرة كاملة تنبض بالحياة وتحكي عن الإنسان البسيط وعن الشوق والحنين وعن الفراق واللقاء وعن الأفراح التي تخرج من بين ضلوع التعب.
منذ أن أطل على الساحة الفنية في ثمانينيات القرن الماضي كان واضحا أن هذا الشاب يحمل مشروعا مختلفا. لم يلهث خلف الضجيج ولم يبحث عن الشهرة السريعة وإنما اختار الطريق الأصعب وهو أن يبني لنفسه مدرسة تقوم على احترام الكلمة واللحن والذوق العام. ولذلك بقي صوته حيا في زمن ماتت فيه أصوات كثيرة لأنها قامت على البريق العابر لا على القيمة الباقية.
لقد امتلك عبد الرحيم موهبة نادرة في أداء الشعر القصصي. كان يحكي الأغنية قبل أن يغنيها ويجعل المستمع يعيش تفاصيلها كأنه أحد أبطالها. وحين كان يؤدي القصائد لم يكن ينقل كلمات شاعر فحسب بل كان يمنحها حياة جديدة فتخرج من حدود الورق إلى فضاء الشعور الإنساني الرحب. ولهذا وجدت أغانيه طريقها إلى القلوب دون استئذان.
ولعل أجمل ما في تجربته أنها تجاوزت حدود المكان. فقد عبرت أغانيه الصحارى والبحار ووصلت إلى المغتربين في مشارق الأرض ومغاربها. كانوا يستمعون إليه فيشعرون أن رائحة الطين قد عادت إليهم وأن النيل يجري في الغربة وأن النخيل يلوح لهم من بعيد. وكان العشاق يجدون في صوته ما يعجزون عن قوله وكانت القلوب المنكسرة تجد فيه عزاء وكانت الأرواح المتعبة تجد فيه وطنا مؤقتا حتى يحين موعد العودة.
وليس من السهل أن يحمل إنسان اسم مدينة أو قرية ثم يحافظ على قدسيته طوال عمره. فكثيرون يسيئون إلى الأسماء التي يحملونها لكن عبد الرحيم فعل العكس تماما. لقد رفع اسم أرقي ولم يستغل الاسم ليكبر هو وإنما كبر بالاسم وكبر الاسم به حتى أصبح كل منهما شاهدا على الآخر. فإذا ذكرت أرقي حضر عبد الرحيم وإذا ذكر عبد الرحيم حضرت أرقي بكل نخيلها ونيلها وجروفها وناسها.
ولا يستطيع أحد أن يحسم أيهما كان أكثر عطاء للآخر. هل صنعت أرقي عبد الرحيم أم صنع عبد الرحيم مجد أرقي الفني في الوجدان السوداني. لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن العلاقة بينهما كانت من أجمل صور التكامل. فقد منحته المكان هوية لا تشترى ومنحها هو صوتا لا ينسى.
وليس غريبا على أرقي أن تنجب مثل هذا الفنان. فهي أرض لم تكن يوما فقيرة في الإبداع. فمن عاش بين الرواويس وهم يشقون صفحة النيل بأهازيجهم ودندنة الطنابير لا بد أن يتربى على الإيقاع قبل الكلام. ومن فتح عينيه على خضرة الجروف وصفاء الماء وسكينة الليل لا بد أن يسكن الجمال أعماقه. فالبيئة هناك لا تصنع الزراعة وحدها بل تصنع الإنسان وتصنع الحس المرهف وتصنع الفنان.
ولذلك لم يكن عبد الرحيم حالة معزولة وإنما كان امتدادا لسلسلة طويلة من المبدعين الذين جعلوا من التكر ومن أرقي منارات للفن والثقافة. فمن تلك الأرض خرج الكبار أمثال السلطان صديق أحمد وعبد الله عبدون وغيرهما من الذين أثبتوا أن الإبداع لا يقاس بعدد السكان ولا بحجم المدن وإنما بعمق التجربة وصدق الانتماء.
لكن رحيل عبد الرحيم يترك فراغا لن يملأه بسهولة أحد. فالأصوات قد تتشابه ولكن الأرواح لا تتكرر. والمدارس الفنية الحقيقية لا تنشأ كل يوم. وسيظل الذين عرفوه أو سمعوا فنه يستشعرون أن شيئا من دفء الأيام قد غاب وأن صفحة جميلة من كتاب الذاكرة قد طويت وإن بقيت كلماتها عالقة في القلوب.
غير أن عزاء أرقي أن الأرض التي أنجبت كل هذا الجمال لا تزال حبلى بالمواهب وأن النيل الذي أنشد له عبد الرحيم ما زال يجري وأن الطنبور ما زال يوقظ الحنين في النفوس وأن ذاكرة المكان لا تموت برحيل الأجساد. فالمبدعون يرحلون لكن أثرهم يبقى يضيء الطريق للأجيال القادمة ويعلمهم أن الفن ليس ترفا وإنما رسالة وأن الانتماء ليس شعارا وإنما سلوك وعطاء.
اللهم ارحم واغفر لعبد الرحيم أرقي واجعل قبره روضة من رياض الجنة وأحسن وفادته إليك وأكرم نزله ووسع مدخله واجزه عن أهله وبلده ومحبيه خير الجزاء. اللهم ألهم أرقي الصبر والسلوان واجبر كسر قلوب أهلها فقد فقدوا اليوم رجلا لم يكن مجرد فنان بل كان جزءا من هويتهم وصوتا من أصوات ذاكرتهم ووجها من وجوه تاريخهم الجميل. رحم الله عبد الرحيم أرقي فقد عاش وفيا لاسمه ورحل تاركا اسم ارقي أكبر مما كان
