
من الإذاعة إلى نهاية القرن العشرين.. كيف وثّق معاوية حسن تاريخ السودان عبر الموسيقى والغناء؟
المحرر الثقافي/ محمد إسماعيل – في البلدان التي تعصف بها الحروب، لا تكون أولى الخسائر المباني وحدها، وإنما الذاكرة أيضًا. تحترق المكتبات، وتتبعثر الأرشيفات، ويغيب الشهود واحدًا تلو الآخر، فيما يبقى السؤال معلقًا: من يروي الحكاية للأجيال المقبلة؟
وسط هذا الفراغ، تبدو موسوعة «تاريخ الغناء والموسيقى في السودان» للصحفي والباحث معاوية حسن يس أكثر من مجرد كتاب عن الفن؛ إنها محاولة لإنقاذ ذاكرة وطن كامل، عبر نافذة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة والتاريخ، لكنها في الحقيقة الأقرب إلى نبض المجتمع: الأغنية.
فالكتاب، الذي صدر في ثلاثة أجزاء عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، قبل أن تعيد دار مدارات للنشر إصدار جزئه الثاني بإشراف الناشرة سناء أبو قصيصة، لا يكتفي بتسجيل أسماء المطربين أو الأغنيات، بل يعيد بناء تاريخ السودان الاجتماعي والسياسي والثقافي من خلال الموسيقى، مقدّمًا واحدة من أضخم وأهم المشاريع التوثيقية في تاريخ الثقافة السودانية الحديثة.
الأغنية بوصفها وثيقة تاريخ
منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه لا يقرأ كتابًا تقليديًا عن الغناء، وإنما عملًا يتعامل مع الأغنية باعتبارها وثيقة اجتماعية وسياسية، تكشف تحولات المجتمع، وتقرأ المزاج العام، وتفسر علاقة السلطة بالثقافة، وتوثق نشأة المؤسسات الفنية والإعلامية.
لهذا لم يكتب معاوية حسن يس تاريخ الفنانين فقط، بل كتب تاريخ السودان من خلالهم.
ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية للموسوعة؛ إذ تمتد زمنيًا من تأسيس الإذاعة السودانية عام 1940 حتى نهاية القرن العشرين عام 1999، وهي فترة شهدت أعنف التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد.
مشروع عمر كامل
الكتابة عن تاريخ الغناء في السودان ليست مهمة سهلة. فالجزء الأكبر من هذا التاريخ ظل محفوظًا في الرواية الشفاهية، بينما بقي التوثيق المكتوب محدودًا ومتفرقًا، وهو ما جعل المؤلف يخوض رحلة طويلة وشاقة في جمع الوثائق والصور والمقابلات والشهادات، مستندًا إلى منهجية تاريخية دقيقة تعتمد على التحقق من المصادر والأسانيد.
كما استفاد من شبكة علاقاته الواسعة في الأوساط الفنية والإعلامية داخل السودان وخارجه، ومن أسفاره المتعددة التي مكنته من الوصول إلى وثائق نادرة وصور لم تكن متاحة للباحثين.
والنتيجة جاءت في صورة موسوعة تجمع بين الدقة الأكاديمية وسلاسة اللغة الصحفية، وهي ميزة طالما ميزت أسلوب معاوية حسن يسن في الكتابة.
تاريخ السودان عبر الميكروفون
اللافت في المشروع أنه لا ينظر إلى الأغنية باعتبارها منتجًا فنيًا معزولًا، وإنما باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للتحولات الوطنية.
فالإذاعة السودانية، والفرق الموسيقية، والشعراء، والملحنون، والمطربون، يتحولون داخل الكتاب إلى شهود على مراحل بناء الدولة الحديثة، وصعود المدن، وتغير الذائقة العامة، والتحولات السياسية التي مرت بها البلاد.
في ثلاثة أجزاء ضخمة، يتحول الغناء السوداني من فن للمتعة إلى وثيقة اجتماعية وسياسية تحفظ ذاكرة وطن كادت الحرب أن تمحو أجزاءً من أرشيفه الثقافي.
لهذا تبدو الموسوعة أقرب إلى قراءة جديدة لتاريخ السودان، لكنها هذه المرة من خلال الموسيقى، لا من خلال الوثائق السياسية وحدها.
بين الصحافة والبحث الأكاديمي
يعرف كثيرون معاوية حسن يس صحفيًا محترفًا، لكن هذه الموسوعة تكشف وجهًا آخر للكاتب؛ الباحث الذي يمتلك صبر المؤرخ، ودقة الموثق، وشغف الجامع للأرشيف.
فالعمل لا يقوم على السرد وحده، وإنما على التحليل والمقارنة وربط الأحداث الفنية بسياقاتها السياسية والاجتماعية، وهو ما يمنح القارئ فهمًا أعمق لمسيرة الثقافة السودانية.
وقد وصف الدكتور عبدالله علي إبراهيم في مقدمته للجزء الثاني المهمة التي أنجزها معاوية بأنها من أصعب مهام التوثيق، مشيدًا بقدرته على ملاحقة تفاصيل حياة الفنانين والموسيقيين في بيئة لم تكن تعطي أهمية كبيرة لتسجيل تاريخها الثقافي.
أما الجزء الأول فقدمه الشاعر محمد المكي إبراهيم، بينما كتب مقدمة الجزء الثالث المفكر النور حمد، وهو ما يعكس المكانة الفكرية التي حظي بها المشروع بين كبار المثقفين السودانيين.
شهادة شخصية
بالنسبة إلى كاتب هذا العرض، فإن قراءة الكتاب ليست مجرد تجربة مع نص توثيقي، وإنما استعادة لذاكرة مهنية أيضًا.
فقد جمعتني سنوات العمل بالأستاذ معاوية حسن يسن في صحيفة الخرطوم، حين كان رئيسًا للتحرير، بينما كنت مشرفًا على الملف الثقافي. خلال تلك الفترة، تعلمت الكثير من ملاحظاته الدقيقة، ومن طريقته في مراجعة التفاصيل، واحترام الوثيقة، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة قبل التحقق منها.
وحين يقرأ المرء هذه الموسوعة، يكتشف أن تلك الصرامة المهنية تحولت إلى منهج كامل في البحث والتوثيق.
هل هو “الأغاني” السوداني؟
لا يخفي عدد من الباحثين والنقاد إعجابهم بالموسوعة، حتى إن بعضهم ذهب إلى مقارنتها بكتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، بوصفها مشروعًا موسوعيًا يوثق لحياة الغناء والموسيقى والشعر والمجتمع.
ورغم اختلاف الأزمنة والسياقات، فإن المقارنة تعكس حجم الإنجاز الذي حققه معاوية حسن يسن، لا سيما أن مشروعه لا يكتفي بالتوثيق، بل يحلل ويقارن ويقرأ الظواهر الفنية في سياقها التاريخي.
حين تصبح المكتبة مقاومة
تأتي أهمية هذا العمل اليوم مضاعفة، في ظل ما تعرضت له المكتبات والمؤسسات الثقافية السودانية من خسائر كبيرة بسبب الحرب. فكل كتاب يوثق جانبًا من الذاكرة الوطنية يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة ضد النسيان.
ولهذا تبدو موسوعة «تاريخ الغناء والموسيقى في السودان» أكثر من إصدار ثقافي؛ إنها أرشيف لوطن، وسجل لذاكرة شعب، ورسالة إلى الأجيال المقبلة بأن السودان لم يكن مجرد ساحة للصراعات، بل كان أيضًا بلدًا صنع واحدة من أغنى التجارب الموسيقية والثقافية في أفريقيا والعالم العربي.
سيرة المؤلف
ولد الصحفي والباحث معاوية حسن يس عام 1956، وتلقى تعليمه في أم روابة ثم الأبيض، قبل أن يتخرج في كلية القانون بجامعة الخرطوم، ويواصل دراسته في جامعة سالفورد البريطانية.
عمل في الصحافة بالسودان والسعودية وبريطانيا والإمارات والبحرين، وأسهم في تأسيس غرفة الأخبار بقناة MBC، قبل أن يكرس سنوات طويلة من حياته لإنجاز مشروعه الأكبر: توثيق تاريخ الغناء والموسيقى في السودان، وهو المشروع الذي بات اليوم أحد أهم المراجع الثقافية السودانية وأكثرها قيمة وأثرًا.
