لماذا ينبغي أن تراهن القوى المدنية على جبهة وطنية عريضة لا على قرارات مجلس الأمن

في كل مرة يقترب فيها مجلس الأمن الدولي من مناقشة الملف السوداني، تتجدد الآمال لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن المجتمع الدولي قد ينجح أخيراً في فرض تسوية تنهي واحدة من أكثر الحروب تدميراً في تاريخ البلاد الحديث. لكن التجارب الدولية، وطبيعة الصراع السوداني نفسه، تفرضان قدراً أكبر من الواقعية في قراءة ما يمكن أن تحققه نيويورك وما ينبغي أن ينجزه السودانيون بأنفسهم.

صحيح أن أي تحرك دولي جاد يظل مهماً بعد سنوات من القتال والانهيار الاقتصادي والتشريد الجماعي، إلا أن الرهان على مجلس الأمن بوصفه الفاعل الرئيسي القادر على إنهاء الحرب يحمل قدراً من المبالغة السياسية التي لا تسندها الوقائع على الأرض ولا طبيعة النظام الدولي نفسه.

فالحرب السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متحاربين، بل تحولت إلى أزمة دولة وسلطة وشرعية ومستقبل سياسي. ولهذا السبب، فإن أي قرار دولي مهما بلغت قوته لن يكون قادراً وحده على إنتاج سلام مستدام ما لم يجد حاملاً سياسياً سودانياً يتبناه ويدافع عنه ويترجمه إلى ترتيبات عملية داخل البلاد.

تاريخ مجلس الأمن مليء بالقرارات التي حملت صياغات حاسمة لكنها واجهت صعوبات كبيرة في التنفيذ. فالمجلس ليس حكومة عالمية تملك أدوات مباشرة لفرض إرادتها، بل هو مؤسسة تعكس توازنات القوى الدولية ومصالح الدول الكبرى.

وفي الحالة السودانية، تتشابك المصالح الإقليمية والدولية بصورة تجعل الوصول إلى توافق كامل أمراً معقداً. وحتى إذا صدر قرار قوي بشأن وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين أو فرض عقوبات إضافية، فإن السؤال الأكثر أهمية سيظل: من يضمن التنفيذ؟ ومن يراقب الالتزام؟ ومن يتحمل كلفة مواجهة الأطراف التي ترفض الانصياع؟

لهذا تبدو جلسات مجلس الأمن مهمة بوصفها أدوات ضغط سياسي ودبلوماسي، لكنها ليست بديلاً عن الحل السياسي الوطني، ولا يمكنها بمفردها أن تفرض سلاماً دائماً على بلد يعاني أزمة بنيوية ممتدة منذ عقود.

تكمن المشكلة الأساسية في أن الحرب الحالية ليست سبب الأزمة السودانية، بل هي أحد تجلياتها الأكثر عنفاً.

فالسودان يواجه أسئلة مؤجلة منذ الاستقلال تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة السلطة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ودور المؤسسة العسكرية، ومفهوم المواطنة، والعدالة، وتقاسم الموارد والثروة.

ولهذا فإن وقف إطلاق النار، رغم ضرورته الإنسانية العاجلة، لا يمثل سوى بداية الطريق. أما السلام الحقيقي فيتطلب معالجة ملفات أكثر تعقيداً، على رأسها احتكار الدولة للسلاح، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية قومية ومهنية، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والقوات المسلحة الموازية، وخلق نظام سياسي قادر على إدارة التنوع السوداني الواسع.

في خضم التركيز على الجهود الدولية، يبدو أن المهمة الأكثر إلحاحاً أمام القوى السياسية والمدنية السودانية لم تحظَ بالاهتمام الكافي.. فالسؤال المركزي اليوم ليس ماذا سيقول مجلس الأمن، بل ماذا ستفعل القوى الرافضة للحرب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة تضم الأحزاب السياسية والقوى المدنية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية والشخصيات الوطنية المؤمنة بوقف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي.

هذه الجبهة لا ينبغي أن تقوم على الاصطفافات التقليدية أو الحسابات الحزبية الضيقة، بل على برنامج حد أدنى يضع ثلاث أولويات واضحة:

  • وقف الحرب فوراً وحماية المدنيين.
  • الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
  • الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي مستدام.

فكلما بدت القوى المدنية متفرقة ومتنازعة، ازدادت قدرة الأطراف المسلحة على فرض أجندتها بوصفها الطرف الوحيد القادر على تقرير مصير البلاد.

أما وجود كتلة وطنية واسعة وذات مصداقية، فإنه يمنح المجتمع الدولي شريكاً حقيقياً يمكن التعامل معه، ويخلق توازناً سياسياً ضرورياً أمام منطق السلاح.

لا يعني ذلك التقليل من أهمية الدور الدولي.

فالمجتمع الدولي يمتلك أدوات ضغط مهمة، سواء عبر العقوبات أو الوساطة أو الدعم الإنساني أو الحشد الدبلوماسي. كما أن الدول الإقليمية والدولية المؤثرة تستطيع رفع كلفة استمرار الحرب على أطرافها وداعميها.

لكن التجارب السودانية والأفريقية والعالمية تؤكد حقيقة واحدة: لا يمكن استيراد السلام من الخارج. فالجهات الدولية تستطيع تسهيل العملية السياسية، وتوفير الضمانات، ورعاية التفاهمات، لكنها لا تستطيع صياغة مشروع وطني بديل نيابة عن السودانيين.

ولهذا ينبغي النظر إلى المجتمع الدولي باعتباره مساهماً في عملية السلام وليس الفاعل الأساسي فيها. أما الدور الحاسم فيبقى للقوى الوطنية الحية القادرة على إنتاج توافق داخلي واسع.

ربما تكون أكبر أخطاء النخب السودانية خلال العقود الماضية انشغالها المتكرر بالسؤال: من يحكم السودان؟ قبل الإجابة عن السؤال الأهم: كيف يُحكم السودان؟.. فالصراع على السلطة ظل يتقدم على النقاش حول طبيعة الدولة ومؤسساتها وقواعد إدارتها.

واليوم، وبعد هذه الكلفة البشرية الهائلة، تبدو الفرصة سانحة لإعادة ترتيب الأولويات. فالتوافق المطلوب لا يجب أن يقتصر على ترتيبات وقف الحرب، بل ينبغي أن يمتد إلى صياغة عقد سياسي جديد يحدد أسس الحكم المدني الديمقراطي، والعلاقة بين الجيش والسياسة، وضمانات التداول السلمي للسلطة، وآليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان السودان سيخرج من الحرب إلى سلام دائم، أم من حرب إلى هدنة مؤقتة تمهد لحرب جديدة.

جلسة مجلس الأمن تمثل محطة مهمة في مسار التعامل الدولي مع الأزمة السودانية، وقد تسهم في زيادة الضغوط على الأطراف المتحاربة وتوسيع الاهتمام العالمي بالمأساة الإنسانية المتفاقمة. لكن إنهاء حرب السودان لن يصدر في قرار أممي، ولن يولد في أروقة الأمم المتحدة وحدها.

الفرصة الحقيقية تكمن في قدرة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية على بناء جبهة وطنية عريضة للرافضين للحرب، تطرح رؤية واقعية لما بعد القتال، وتحوّل الاهتمام الدولي إلى دعم لمسار سوداني خالص.

فالسلام المستدام لا يُصنع في نيويورك، بل يبدأ عندما تتفق القوى الوطنية على أن مستقبل السودان لا يمكن أن يبنى بالسلاح أو الإقصاء أو الانتصارات العسكرية المؤقتة، وإنما عبر توافق تاريخي يجيب أولاً عن سؤال الدولة والحكم، ويفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي يطوي صفحة الحروب المتكررة إلى الأبد.