
ندى القلعة و”أم الجيش”.. عندما يغادر الفن خشبة المسرح إلى خنادق الحرب
لم تكن تصريحات الفنانة السودانية ندى القلعة مجرد رأي سياسي عابر في بلد يعيش حرباً أهلية مدمرة منذ أربعة سنوات. فحين أعلنت بفخر أنها تحمل لقب “أم الجيش”، وأن جنوداً كتبوا اسمها على أسلحتهم في ساحات القتال، بدا الأمر بالنسبة لكثيرين انتقالاً كاملاً من مساحة الفن إلى مساحة التعبئة الحربية.
في بلد قُتل فيه عشرات الآلاف وشُرد الملايين وفقدت مدن بأكملها ملامحها، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يملك الفنان الحق في الاصطفاف مع أحد أطراف الحرب؟ أم أن مسؤوليته الأخلاقية تفرض عليه الوقوف إلى جانب الضحايا لا البنادق؟
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، انقسم المشهد الثقافي كما انقسم المشهد السياسي. بعض الفنانين اختاروا الصمت، وآخرون تبنوا خطاباً إنسانياً يدعو إلى وقف القتال، بينما ذهب فريق ثالث إلى الانخراط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في خطاب أحد طرفي النزاع.
تصريحات ندى القلعة الأخيرة وضعتها بوضوح داخل هذا المعسكر الأخير.
فالفنانة التي تحظى بشعبية واسعة بين قطاعات من السودانيين لم تكتف بإعلان دعمها للقوات المسلحة وقائدها عبد الفتاح البرهان، بل قدمت نفسها كرمز معنوي للمقاتلين. وهنا تحديداً يبدأ الجدل.
لا يتعلق الأمر بحرية الرأي، فلكل مواطن الحق في تبني الموقف السياسي الذي يراه مناسباً. لكن الفنان ليس مواطناً عادياً حين يتحدث من منصة جماهيرية واسعة التأثير. فالكلمات التي يقولها لا تبقى في حدود رأيه الشخصي، بل تتحول إلى رسائل رمزية قد تسهم في تعزيز الاستقطاب أو تخفيفه.
في زمن الحرب، يصبح الرمز أخطر من الرصاصة أحياناً.
أن يكتب مقاتل اسم فنانة على سلاحه قد يبدو للبعض تعبيراً عن المحبة والانتماء، لكنه بالنسبة لضحايا الحرب يثير أسئلة مؤلمة حول العلاقة بين الثقافة والعنف. فالفن الذي نشأ تاريخياً بوصفه مساحة للخيال والجمال والتسامح، يجد نفسه فجأة مرتبطاً بأداة للقتل.
هذا التحول ليس جديداً في السودان ولا في العالم. فقد شهدت حروب كثيرة اصطفاف فنانين ومثقفين خلف الجيوش والأنظمة والقادة العسكريين. لكن التجارب التاريخية تكشف أن الأسماء التي بقيت في ذاكرة الشعوب غالباً لم تكن تلك التي هتفت للحرب، بل تلك التي دافعت عن السلام ووقفت إلى جانب المدنيين.
المفارقة أن السودان اليوم لا يعاني أزمة عسكرية فحسب، بل أزمة اجتماعية وأخلاقية عميقة. ملايين النازحين لا يسألون عن المنتصر في المعركة بقدر ما يسألون عن العودة إلى منازلهم. آلاف الأسر لا تبحث عن الشعارات الوطنية بقدر ما تبحث عن الطعام والدواء والأمان.
في هذا السياق، يبدو انخراط المشاهير في خطاب التعبئة العسكرية وكأنه ابتعاد عن المأساة الحقيقية التي يعيشها الناس.
قد يرى أنصار ندى القلعة أن دعمها للجيش موقف وطني مشروع في مواجهة قوات الدعم السريع، بينما يرى منتقدوها أن الفنان يفقد جزءاً من رسالته عندما يتحول إلى صوت لطرف من أطراف النزاع. وبين الرأيين تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: أن السودان يخسر كل يوم مزيداً من الأرواح بينما تتسع دائرة الانقسام.
السؤال الذي تطرحه تصريحات ندى القلعة لا يتعلق بها وحدها، بل بكل الفنانين والمثقفين السودانيين: هل وظيفة الفن أثناء الحروب أن يرفع معنويات المقاتلين، أم أن يمنح صوتاً للمدنيين الذين علقوا بين نيران المتحاربين؟
ربما يكون هذا هو النقاش الأهم الذي فتحته تصريحات “أم الجيش”؛ نقاش يتجاوز شخص الفنانة ليصل إلى جوهر العلاقة بين الفن والحرب، وبين الشهرة والمسؤولية الأخلاقية، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من الاصطفافات.
