واشنطن وآلياتها الاربع لإنهاء حرب السودان.. فهل تفصل البندقية عن السياسة
زورق الحقيقة
ابوهريرة زين العابدين يكتب
تتزايد الضغوط الدولية لإيقاف الحرب في السودان، فيما تتعاظم الكلفة الإنسانية والسياسية للنزاع الذي دخل مرحلة أكثر تعقيداً، وفق توصيف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي اعتبر أن الصراع “تحوّل إلى حرب بالوكالة”. وفي مؤتمر صحفي عقده الخميس، كشف روبيو عن رؤية أمريكية تقوم على أربع آليات رئيسية تهدف إلى الحد من العنف وتهيئة بيئة مناسبة لوقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية.
الرؤية التي طرحها الوزير الأمريكي تمثل في تصوري محاولة لإعادة ضبط مسار الأزمة عبر أدوات عملية. وتستند هذه الرؤية إلى أربع اسس: توسيع الوصول الإنساني، إنشاء نقاط آمنة للإغاثة، إلزام الأطراف بالاتفاقات السابقة، ووقف تدفق الدعم العسكري الخارجي.
أولاً: توسيع الدعم الإنساني للمتضررين
أكد روبيو أن الإدارة الأمريكية تعمل على تحديد أربع مدن سودانية، بواقع مدينتين تحت سيطرة كل طرف، لتكون مراكز آمنة لتوزيع المساعدات الإنسانية.
هذه الخطوة في تحليلي تهدف إلى:
• تأمين ممرات إنسانية مستقرة
• ضمان وصول الإغاثة إلى ملايين المتضررين
• تقليل استخدام الحصار كسلاح في النزاع
وربما أن هذا التوجه يعكس إدراكاً أمريكياً بأن الأزمة الإنسانية باتت تهدد الاستقرار الإقليمي، وأن تحسين الوصول الإنساني يمثل مدخلاً ضرورياً لأي مسار سياسي لاحق.
ثانياً: النقاط الآمنة وانشاء مناطق محمية من العمليات العسكرية
تثبيت نقاط آمنة للإغاثة يشكل خطوة إضافية تتجاوز مجرد إدخال المساعدات، إذ يتطلب:
• وقف العمليات العسكرية في محيط تلك النقاط
• ضمان عدم دخول الجهات المسلحة إليها
• وجود مراقبة دولية أو أممية محايدة وهذا ايضا امر مكلف ولا توجد ارادة دولية واقليمية لتنفيذه.
وربما تتحول هذه النقاط الثلاث اعلاه لاحقا إلى اسس لوقف إطلاق النار، أو مناطق منزوعة السلاح جزئياً، بما يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية أوسع.
ثالثاً: إلزام الأطراف بالاتفاقات وكيفية معالجة أزمة الثقة
أوضح الوزير الأمريكي أن المشكلة ليست في غياب الاتفاقات، وانما في التراجع عنها بعد توقيعها، في إشارة إلى تفاهمات جدة وغيرها من المسارات التفاوضية والبحرين وغيرها.
وتسعى واشنطن حسب تقديري، وفق تصريحات روبيو، إلى:
• تعزيز آليات مراقبة تنفيذ الاتفاقات
• فرض ضغوط على الأطراف التي تنتهك التعهدات
• ربط أي دعم دولي مستقبلي بالالتزام السياسي
رابعاً: وقف تدفق الدعم العسكري ومعالجة جذور التصعيد
اعتبر روبيو أن استمرار تدفق السلاح والاستقطاب الإقليمي دفع الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة.
لكن السؤال الذي يقفز للذهن لماذا لا تفرض واشنطن حظراً شاملاً على السلاح للطرفين؟
وربما يعود ذلك إلى عدة عوامل:
• تعقيدات المشهد الإقليمي: فرض حظر شامل قد يضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع دول مؤثرة في المنطقة. ونجاح هذه الخطوة يتطلب ضمانات دولية أقوى، بما في ذلك عقوبات محددة على الجهات التي تعرقل تنفيذ الاتفاقات عبر دبلوماسية هادئة استخدمتها واشنطن طوال الأزمة فربما تتحول لدبلوماسية أكثر فاعلية إذا حدثت مجاعة كبيرة وانتهاكات أكبر ونزوح وربما يتحرك الضمير العالمي لفرض حظر شامل على السلاح لا تريد واشنطن تنفيذه للتعقيدات الاقليمية والتقاطعات ما بين القاهرة، وابوظبي، والرياض، وغيرهم.
• الخوف من انهيار أحد الأطراف: ما قد يؤدي إلى فراغ أمني وتوسع رقعة الفوضى. نموذج الصومال ولبنان وليبيا وسوريا خاصة إذا توسعت الحرب مرة اخرى.
• توازنات القوى الدولية: خشية واشنطن من دفع الأطراف نحو قوى منافسة مثل روسيا أو الصين.
• غياب إجماع دولي: الانقسام داخل مجلس الأمن يجعل فرض حظر شامل أمراً صعباً.
وبذلك، يبدو أن واشنطن تفضّل الضغط الدبلوماسي التدريجي على فرض حظر شامل قد تكون كلفته السياسية مرتفعة.
خاتمة: هل تمثل الرؤية الأمريكية مساراً واقعياً لوقف الحرب؟
تأتي التصريحات الأمريكية في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية عالمياً، مع نزوح ملايين المدنيين وتعثر جهود التسوية الجذرية. الرؤية الأمريكية بآلياتها الأربع تمثل محاولة لإعادة بناء مسار سياسي وإنساني متماسك، لكنها تظل رهينة:
• تجاوب الأطراف المتحاربة.
• تعاون القوى الإقليمية.
• قدرة المجتمع الدولي على فرض آليات مراقبة فعّالة.
ورغم أن هذه الخطوات لا تشكل حلاً نهائياً، إلا أنها قد تمثل إطاراً عملياً لخفض مستوى العنف وتهيئة الظروف لعملية سياسية أكثر استقراراً. فربما لو تحركت القوى السياسية والتقطت القفاز بعد اجتماع اديس ابابا ووسعت دائرة المشاركة وضغطت في اتجاه وقف الحرب ورسم مسار سياسي يحقق اختراق في الأزمة السودانية التي غلب فتقها رتق الساسة فهل تحقق واشنطن اختراق دبلوماسي وسياسي يبدو مستحيلا وفقا لقراءة الاحداث وبدون اسنان؟ فاذا ارادت واشنطن تحقيق نجاح فعليها فطم دبلوماسيتها الحالية التي لم تؤد سوي الى اطالة امد الحرب وانبات اسنان لطفلها الدبلوماسي الخديج في المسار السوداني بفرص حظر شامل على التسليح وعقوبات على الدول والشركات التي تدعم الحرب واجبار الطرفان على وقف الحرب وبدء عملية سياسية يقودها المدنيون وفصل البندقية عن السياسة.
