طائرة عسكرية و آلاف “المنشورات” في سماء مدينة شندي.. هل دخلت حرب السودان مرحلة “تعبئة المجتمع”؟!

الخرطوم، الغد السوداني – في مشهد غير مألوف منذ اندلاع الحرب السودانية، رفع سكان مدينة شندي رؤوسهم نحو السماء ليروا أوراقاً بيضاء تتساقط فوق الأحياء السكنية، ليس بسبب كارثة طبيعية أو مساعدات إنسانية، بل لأن طائرة عسكرية كانت تلقي آلاف المنشورات التي تدعو الشباب والمستنفرين إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية.

بالنسبة لكثيرين في المدينة الواقعة شمالي السودان، لم يكن المشهد مجرد حملة تجنيد عادية، بل لحظة أعادت إلى الأذهان صور الحروب التقليدية التي كانت فيها السماء نفسها وسيلة لإيصال الرسائل العسكرية.

الحدث يبدو استثنائياً لثلاث أسباب؛ الأول أن إسقاط المنشورات الجوية ظل غائباً تقريباً عن المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب، والثاني أن توقيته يأتي في لحظة تشهد فيها جبهات متعددة استمراراً للاستنزاف البشري واتساع رقعة العمليات العسكرية، أما الأخير فيتعلق بالتسوية السياسية للصراع السوداني والتي أختتمت لقائتها بالعاصمة نيروبي وجمعت قوى سياسية ومدنية وآخرى مسلحة مع شركاء دوليين يسعون لحل الأزمة السودانية.

المنشورات التي حملت عنوان “إعلان تجنيد وإعادة خدمة” دعت الشباب المستوفين للشروط إلى الالتحاق بالقوات المسلحة، كما خاطبت العسكريين السابقين للعودة إلى الخدمة، وحددت شروطاً عمرية وصحية وإجرائية، فيما خصصت مساراً منفصلاً للمستنفرين عبر لجان المقاومة الشعبية والوحدات الإدارية.

لكن السؤال الأهم ليس ماذا كُتب في المنشور، بل لماذا اختار الجيش هذه الوسيلة تحديداً؟

يرى مراقبون أن العودة إلى المنشورات الجوية تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الإداري للتجنيد. ففي الحروب الحديثة، لا تُستخدم الرسائل الجوية فقط لنقل المعلومات، بل كأداة نفسية ورمزية تهدف إلى إظهار الحضور والسيطرة وإيصال رسالة بأن المؤسسة العسكرية ما تزال قادرة على الوصول إلى المجال العام وإعادة تشكيله.

ومن زاوية أخرى، يعكس الحدث تحوّلاً واضحاً في طبيعة الحرب نفسها.

فعندما تدخل الحروب مراحل طويلة وممتدة، تتحول المعركة تدريجياً من صراع بين تشكيلات عسكرية إلى منافسة على الموارد البشرية. ومع استمرار القتال لفترات طويلة، تصبح القدرة على إنتاج المقاتلين والحفاظ على تدفق القوة البشرية جزءاً مركزياً من معادلة الصراع.

في هذا السياق، تبدو شندي اختياراً ذا دلالة.

فالمدينة الواقعة بولاية نهر النيل تحولت خلال الحرب إلى واحدة من أهم مراكز الإسناد البشري واللوجستي، كما استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين وتحولت إلى مساحة أكثر استقراراً مقارنة بمناطق القتال المباشر.

كما أن توجيه الدعوة للمستنفرين عبر الهياكل المحلية يكشف أيضاً أن التجنيد لم يعد يعتمد فقط على المؤسسات العسكرية التقليدية، بل بات يرتبط أكثر بالشبكات الاجتماعية والإدارية المحلية.

وفي الحروب الممتدة، غالباً ما تصبح هذه الشبكات جزءاً من البنية العسكرية غير الرسمية.

اللافت أيضاً أن الطائرة التي ألقت المنشورات لم تحمل ذخائر أو مساعدات، بل حملت رسائل.

وفي الحروب، أحياناً تصبح الرسائل نفسها مؤشراً على تغير المرحلة.

فإذا كانت السنوات الأولى من الحرب ارتبطت بالسيطرة على المدن والمقار العسكرية، فإن مشهد الأوراق المتساقطة فوق شندي قد يعكس شيئاً مختلفاً: انتقال الصراع بصورة متزايدة إلى معركة التعبئة والاستنزاف والبحث عن المقاتلين.

ولهذا ربما لم يكن الحدث مجرد عملية تجنيد.

بل قد يكون مؤشراً على أن الحرب السودانية دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تتنافس فيها الأطراف فقط على الأرض، وإنما على البشر أيضاً.