جيل الدلنج الضائع.. أطفال يواجهون القصف وسوء التغذية وبتر الأطراف وانهيار المدارس

الدلنج، أفراح حسن – في مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، لا تبدو الحرب مجرد معارك تدور في الأطراف، بل واقعاً يومياً يلاحق الأطفال داخل المنازل والمستشفيات والمدارس، حيث يدفع آلاف الصغار ثمناً باهظاً للصراع المتصاعد بين أطراف النزاع، وسط تدهور الخدمات الأساسية وتصاعد الجوع واتساع دائرة الخسائر الإنسانية.

ومع استمرار القصف المدفعي والجوي وهجمات الطائرات المسيّرة، خرج مئات الأطفال من المدارس بعد تعرض عدد من المؤسسات التعليمية لأضرار كبيرة، بينما باتت المستشفيات المحدودة الإمكانات عاجزة عن التعامل مع موجات متزايدة من سوء التغذية والإصابات والإعاقات الناتجة عن الحرب.

وأدى نقص الغذاء وارتفاع مستويات الجوع إلى تفشي حالات سوء التغذية الحاد وسط الأطفال، في وقت أدى تعثر وصول المساعدات الإنسانية إلى تعميق الأزمة ودفع كثير من الأسر إلى أوضاع توصف بالكارثية.

ورغم نجاح الجيش السوداني في فك الحصار عن الطريق الرابط بين الدلنج ومنطقة هبيلا، فإن تدفق السلع الغذائية والأدوية لا يزال بطيئاً، فيما تبقى الاحتياجات الإنسانية أكبر بكثير من حجم الإمدادات المتوفرة.

“مأساة حقيقية”

تقول زهراء عمر لـ”الغد السوداني” إن طفلها البالغ من العمر ستة أشهر عانى سوء تغذية حاداً تسبب في فقدان الوزن الحاد وانخفاض الدم وفقدان الشهية وتدهور صحته بصورة متسارعة.

وأضافت: “كنت أتنقل باستمرار بين المستشفى والعيادات وأشتري الأدوية على أمل أن يتحسن، لكن حالته كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم”. وأوضحت أن الإمكانات المحدودة للمستشفى حالت دون توفير العلاج الكافي لطفلها، قبل أن يفارق الحياة بعد أسابيع من المعاناة نتيجة سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية المناسبة.

الجوع يفتح أبواب المرض

ويقول الطبيب المتطوع شهاب مصطفى إن أزمة الجوع التي خلّفها الحصار الطويل لا تزال تمثل تحدياً صحياً خطيراً، موضحاً أن حالات سوء التغذية الحاد أصبحت من أكثر المشكلات انتشاراً بين الأطفال.

وأضاف لـ”الغد السوداني”: “هناك حاجة ملحة لتدخلات أوسع من المنظمات الدولية والأمم المتحدة، لأن الوضع تجاوز قدرات المجتمعات المحلية”. وأشار إلى أن كثيراً من الأسر أصبحت تعتمد في غذائها اليومي على وجبات محدودة للغاية، مثل البليلة وقشور الذرة وأوراق الملوخية المسلوقة، الأمر الذي فاقم انتشار الجوع والأمراض المرتبطة به.

مدارس صامتة وأحلام معلقة

الطالب عامر سعد، وهو في مرحلة التعليم الأساسي، يقول إن القصف المتكرر وهجمات المسيّرات أدت إلى استهداف المدارس وتعطيل الدراسة لفترات طويلة. وأضاف: “لم نعد نعرف ماذا سيحدث لمستقبلنا. كثير من الطلاب فقدوا الرغبة في التعليم، وبعضهم ترك الدراسة نهائياً”. وأوضح أن الظروف الاقتصادية الصعبة تمنعه من الانتقال إلى مدن أكثر أمناً لمواصلة الدراسة، ما يدفعه للتفكير في دخول سوق العمل لمساعدة أسرته.

طفولة مبتورة

في حي الرديف، تحولت إصابة الطفلة فاطمة بخيت إلى واحدة من القصص التي تختصر كلفة الحرب على الأطفال.

يقول والدها إن شظايا قصف جوي أصابت ساقها بصورة مباشرة، ما اضطر الأطباء إلى اتخاذ قرار ببتر قدمها اليسرى من أسفل الركبة لإنقاذ حياتها. وأضاف: “نفكر في تركيب طرف صناعي لها، لكننا لا نملك المال الكافي. قد نضطر إلى بيع سيارتنا الموجودة في إحدى الولايات الآمنة حتى نتمكن من ذلك”.

وبين الجوع والقصف وتعطل التعليم، تبدو طفولة آلاف الأطفال في الدلنج عالقة بين معارك لا يشاركون فيها، لكنها تترك آثارها العميقة على أجسادهم ومستقبلهم.