“متى سنموت يا أبي؟”.. جيل الندوب الخفية.. كيف صنعت حرب السودان ضحاياها الصامتين من الأطفال

تقرير: أمين محمد الأمين – في إحدى ليالي الخرطوم التي كانت تمزقها أصوات المدافع، سأل طفلٌ في الخامسة من عمره والده سؤالاً لم يكن يفترض أن يطرحه طفل بهذا العمر: “يا أبي.. متى سنموت؟”

لم يكن السؤال عابراً. كان انعكاساً لحربٍ امتدت من الشوارع إلى داخل غرف النوم، ومن خطوط القتال إلى ذاكرة الأطفال، حيث لم تعد الانفجارات مجرد أصوات بعيدة، بل جزءاً من الروتين اليومي لطفولة تتآكل ببطء.

من الأزقة المحترقة إلى مراكز الإيواء المكتظة، ومن المدارس المتعثرة إلى البيوت التي فقدت استقرارها، تتشكل في السودان واحدة من أخطر الأزمات النفسية غير المرئية؛ أزمة لا تظهر في أعداد القتلى والجرحى، لكنها تترك آثاراً قد تستمر لعقود.

هذا التقرير يرصد كيف تحولت الحرب إلى مصنعٍ للصدمات النفسية، وكيف يواجه ملايين الأطفال واقعاً جديداً يهدد مستقبلهم التعليمي والاجتماعي والنفسي.

طفل يرى الموت قبل أن يفهم الحياة

يقول والد الطفل، الذي طلب حجب اسمه لأسباب أمنية، إن ابنه لم يعد كما كان. “كان يخاف من الظلام مثل أي طفل.. الآن يخاف من النوم نفسه.”

يتحدث الأب عن ليالٍ طويلة من الصراخ المفاجئ، والارتجاف، والاستيقاظ المتكرر، فيما أصبح ابنه يكرر عبارة واحدة باستمرار: “سنموت.. نحن سنموت.”

لم تنته الأزمة بالنزوح. فالانتقال من الخرطوم إلى مراكز إيواء أكثر أمناً لم يمحُ مشاهد الجثث، أو أصوات الرصاص، أو اللحظات التي كان يختبئ فيها الطفل تحت الأسرة أثناء القصف. هكذا تتحول الحرب، بحسب مختصين، من حدثٍ عابر إلى “ذاكرة مقيمة” تواصل ملاحقة الأطفال حتى بعد خروجهم من مناطق الخطر.

وزارة الصحة: لا نملك أرقاماً دقيقة

تعترف مديرة إدارة الصحة النفسية بوزارة الصحة الاتحادية، الاختصاصية هيام إبراهيم عبدالله، بأن السلطات لا تمتلك حتى الآن إحصائيات دقيقة حول حجم التأثير النفسي للحرب على الأطفال.

وتقول إن الاعتماد الأساسي يتم حالياً على البلاغات الذاتية والحالات التي تصل للمراكز الصحية أو دور الإيواء.

وتوضح أن المؤشرات الأولية تكشف أنماطاً متكررة من الاضطرابات، تشمل: القلق الحاد، اضطرابات النوم، التبول اللاإرادي، نوبات الفزع، ضعف التركيز وصعوبات التعلم، السلوك العدواني والانطواء.

وتقر المسؤولة بوجود تحديات إضافية، أبرزها: “غياب المسوحات الشاملة، وضعف التنسيق المؤسسي، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، بالاضافة إلى نقص المراكز المتخصصة، والاعتماد الكبير على الشركاء الدوليين”. هذا الاعتراف يكشف جانباً مقلقاً: حجم الأزمة الحقيقي قد يكون أكبر بكثير من الأرقام المتاحة.

“طفولة بائسة”.. عندما تنهار الأسرة أيضاً

ترى الباحثة الاجتماعية مها رضوان حمدان أن أخطر ما أنتجته الحرب ليس فقط النزوح أو الفقر، بل التغيرات العميقة داخل بنية الأسرة نفسها.

تصف المشهد بعبارة واحدة: “نحن أمام طفولة بائسة”. وتوضح أن الصدمات الحالية تفوق القدرات العمرية للأطفال، بينما تواجه الأسر ضغوطاً اقتصادية ونفسية هائلة. في كثير من الحالات، لم يعد الأطفال مجرد متلقين للرعاية. بل أصبحوا جزءاً من معركة البقاء.

الأطفال الأكبر سناً يتحملون مسؤوليات جديدة، والأمهات يواجهن أعباء مضاعفة، فيما يعيش الآباء أنفسهم صدمات تجعل قدرتهم على تقديم الدعم محدودة. وتحذر من أن هذا “الانقلاب في الأدوار” قد يخلق اضطرابات طويلة الأمد مرتبطة بالهوية والانتماء والشعور بالأمان.

المدرسة لم تعد مكاناً آمناً

داخل الفصول الدراسية، تظهر آثار الحرب بشكل آخر.

تقول المعلمة سميرة عبد القادر إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بغياب الطلاب، بل بما تصفه بـ”الغياب الذهني”.

تضيف: “الأطفال موجودون جسدياً.. لكن عقولهم في أماكن أخرى.”

وتوضح أن كثيراً من التلاميذ يواجهون: ضعف التركيز، والقلق المستمر، والعدوانية أو الانسحاب، بجانب فقدان الحافز للتعلم، والتسرب المتكرر. وبحسب المعلمة، تحولت المدرسة بالنسبة لبعض الأطفال من مساحة للحماية إلى مصدر إضافي للضغط.

كما تشير إلى فجوة متزايدة في الكوادر التعليمية نتيجة الحرب، والاعتماد على معلمين جدد يفتقر كثير منهم إلى التدريب على الإسعاف النفسي الأولي.

نصف المجتمع مهدد بضياع تعليمي

تحذر منظمات مدنية تعمل في مجال الطفولة من أن الأزمة النفسية لا يمكن فصلها عن أزمة التعليم. تقول إنعام محمد الطيب، المدير التنفيذي لمنظمة “إعلاميون من أجل الأطفال”، إن الأطفال يشكلون نحو نصف المجتمع السوداني، لكن الملايين منهم يواجهون خطراً حقيقياً بالخروج النهائي من النظام التعليمي.

وتشير إلى أن النزوح المستمر، وإغلاق المدارس، وصعوبة الوصول إلى المناطق المعزولة، كلها عوامل تدفع نحو ما تصفه بـ”الضياع التعليمي القسري”. وتكشف أن بعض المناطق أصبحت شبه معزولة عن الرصد الميداني، مما يدفع المنظمات للاعتماد على شبكات المتطوعين المحليين.

لماذا تصبح الصدمة خطيرة عندما تُترك دون علاج؟

الخبراء النفسيون يميزون بين “الصدمة العابرة” و”الصدمة المزمنة”.

الفرق بينهما ليس الحدث نفسه، بل مدة التعرض له. في حالة السودان، يعيش ملايين الأطفال في بيئة لا تزال تنتج الخوف بشكل يومي: نزوح متكرر، فقدان الأقارب، انعدام الاستقرار، الفقر، انقطاع التعليم، مشاهدة العنف بشكل مستمر.

هذا التراكم يحول الصدمة من تجربة مؤقتة إلى حالة مستمرة قد تؤثر على الشخصية والسلوك والتعليم والعلاقات الاجتماعية لسنوات طويلة.

كيف يمكن إنقاذ ما تبقى؟

رغم محدودية الموارد، يقول مختصون إن التدخلات البسيطة قد تحدث فرقاً.

تشمل أبرز الحلول المطروحة: إعادة بناء الروتين اليومي للأطفال

توفير مساحات صديقة للطفل، وتدريب المعلمين على الإسعاف النفسي، إضافة إلى توسيع الدعم المجتمعي، واستخدام الرسم والأنشطة الإبداعية كوسائل تعبير، ودمج الدعم النفسي داخل المدارس ومراكز الإيواء.

لكن تنفيذ هذه الحلول، بحسب العاملين في المجال، يصطدم بعقبتين أساسيتين: “التمويل والوصول”.

موتٌ من نوع آخر

حين سأل ذلك الطفل والده: “متى سنموت؟” لم يكن يتحدث فقط عن الموت الجسدي. ربما كان يسأل عن شيء أكبر، عن المدرسة التي اختفت، عن البيت الذي فقده، عن الأمان الذي تبخر، وعن طفولة أصبحت فجأة أكبر من عمرها. في السودان اليوم، قد لا تكون أخطر خسائر الحرب تلك التي تُقاس بعدد القتلى. بل تلك التي تختبئ داخل عقول الأطفال. هناك.. حيث تنمو الندوب بصمت.