سرديات..

الزاكي عبد الحميد أحمدةيكتب..

“لم يُخلق مثلُها في البلاد”.. هكذا جاء التأكيد الرباني..

ثم عنها قالت كتب التراث:

جدرانُها من ذهب وفضة وطوب من الياقوت واللؤلؤ..

أسقفُها تتكيء على أعمدة من الزبرجد والياقوت الأحمر..

أرضيتُها من مسك وزعفران وتحتها تجري انهار من العسل والخمر واللبن…

عن المدينة التي بناها الملك شداد بن عاد-أعظم ملوك قوم عاد (من العرب البائدة) أحكي..

على أطلال ما قيل لي إنها هي، تسربلني خوفٌ يستولد خوفاَ أكبر، يوم وقفت عليها..

ذات عام..

رحلةُ عملٍ مدتُها يومان، أخذتني إلى تخوم الحدود العمانية-اليمنية، فعدتُ منها بخوف عظيم، ازداد طولا وعرضا وعمقا، حين لجأت لسورة الحاقة، فقرأتها مرات ومرات وكأني أقرأها لأول مرة..وكلما تمعنت في ما فيها من عبر، أورثتني آياتها خشوعا وخوفاً على ما بي من خوف عظيم…

“فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية..وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية..سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما..فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية..فهل ترى لهم من باقية..”صدق الله العظيم..
سورة الحاقة..

“فهل ترى لهم من باقية”؟

هذه العبارة القرآنية تبقى مفتاحية فيما يأتي من سرد..

خوفٌ، حاكت خيوطَه، أصداءٌ رددت حكايات لم يغب عن شخوصها معاوية بن ابي سفيان ولا غاب عنها بدويً يقال له عبد الله بن قلابة العجلي ولا كان عنها غائبا عميد أدب الرعب الروائي الأمريكي أتش بي لافكرافت… H. P. LOVECRAFT

هذا رعبٌ يفضي بمَن تملّكه إلى الجنون؛ فحذاري..!

*It’s A Sanity- Blurring Terror. Proceed With Caution..*

هكذا قالت الصحيفة التي استعرضت الرواية!

…إن كان عميدُ أدب الرعب في القرن العشرين؛ قد تصبب عرقا من الخوف؛ حين رأى ما رأى في منامه؛ وهو يرافق بدويا يبحث عن ناقة له؛ ضلت طريقَها في صحراء الربع الخالي؛ فما بالك بمن وقف على المشهد ذاته؛ ورآه رأي العين؛ وليس كما تخيله الروائي في حلمه فارتعدت فرائصُه…

“إن أقدم الإنفعالات البشرية وأشدَّها هو الخوف؛ كما أن أقدم أنواع الخوف وأقواها هو الخوف من المجهول..”

The oldest and strongest emotion of mankind is fear and the oldest and strongest fear is the fear of the unknown.

هكذا قال روائي أمريكي واصفاً ما اعتراه من خوف، بعد أن رافق، وهو نائم، بدوياً يجوب صحراء الربع الخالي، بحثاً عن ناقة له ضلت طريقَها، فكان للمجهول الذي يحاصره من كل حدب وصوب، حضورٌ، تنقله إلى أوصاله؛ رياح تنتاش عينيه ومنخريه بسهام رملية خشنة، ونبتات حزينات من العشر، تتكيء على كتف كثيب رملي هنا وهناك، فتقرأ على أوراقها، مآلات الظمأ حين تسفر عن وجهها..

الروائي هو عميد أدب الرعب في القرن العشرين، الروائي الأمريكي أتش. بي. لافكرافت
H.P. Lovecraft
معلقاً على قصص “ألف ليلة وليلة” والتي بنى على احداها (وهي الليلة ٣٧٥) روايته التي نشرها بعنوان *المدينة المجهولة:
The Nameless City..

وضع لافكرافت الكتاب جانبا؛ حين غشيته غفوة؛ فرأى فيما يراه النائم؛ أنه يرافق *عبد الله بن قـٍلابة* في بحثه عن ناقته؛ التي ضلت طريقها في صحراء الربع الخالي..

وحين استفاق من غفوته قال: الخوف الذي اعتراني وأنا أعمل على كتابة روايتي هذه،  كان خارح حدود الوصف…لم أشعر من قبل بخوف كهذا في حياتي..رافقت عبد الله بن قلابة في رحلته في صحراء الربع الخالي؛ حين انطلق هذا البدوي؛ يبحث عن ناقته؛ التي ضلت طريقها..عاد البدوي إلى موطنه بثروة عظيمة؛ فيما عدت أنا بخوف لا يفارقني كلما كتبت جزءا في روايتي (المدينة المجهولة) والتي استقيت فكرتَها من رحلتي تلك..

روايتي كانت في البداية بعنوان:
The Many Columned City..

أي “المدينة متعددة الأعمدة” ! ولما حال خوفي دون دخولي إلى المدينة مع عبد الله بن قـِلابة لاكتشف ما بداخلها؛ واعرف اسمَها وأصل ساكنيها؛ أسميتُها *المدينة المجهولة*..عاد البدوي مسرورا من دخوله المدينة، وحين سألته أن يصف لي ما رأى بداخلها، أخذ يردد:

The like of which, has never been created in the country!

أي: *م يخلق مثلها في البلاد!

اكتفيت بما قال من وصف للمدينة؛ وجعلتُ كائنات غريبة تسكنها فتزيد من خوف من اقترب من أحرفها (أي الراوية!)..

كما نعلم، ضمت حكايات “ألف ليلة وليلة ” قصة عبد الله بن قلابة مع معاوية بن ابي سفيان وكنوز ارم ذات العماد!

وعليها  بنى الروائي  لافكرافت H. P. Lovecraft روايتَه التي أسماها المدينة المجهولة أي

The Nameless City..

والتي اعتمد في سردها على ما قالت به الأديان عن قوم حاقت بهم لعنة  الطبيعة فمُسِخوا؛ وصارت مدينتُهم أثرا بعد عين؛ وعلى ما تفتق عنه ذهنه من حديثه المتخيل مع البدوي؛ وعلى ما ذكره *عمر الخيام* في رباعياته:

Iram is gone with all its rose!

اندثرت إرم وتصوحت أغصان ورودها وتناثرت أوراقها!

إنها المدينة التي كان يبحث عن أطلالها وبقايا ساكنيها؛ لافكرافت في رحلته مع عبد الله بن قلابة..

وربما كانت هي المدينة ذاتُها؛ التي ساقتني اليها قدماي؛ فملأتني رعباً ما عرفتُ له مصدراً…شعورٌ بالخوف المفضي للهرب من هول ما تراه عيناي؛ اعتراني فتصببتٌ عرقاً..

إنه شعورٌ يمزج الخوف بالخشوع ..كل شيء أمامك ساكن؛ هو ذلك السكون الذي يسربلك ذلاً وخضوعاً..

أهي إرم ذات العمادالتي جاء ذكرُها في محكم التنزيل، والتي أقف انا الآن على اطرافها وجسمي يتصبب عرقا؛ هروباً إلى مرضاة الله عز وجل؟ سألتُ نفسي!

لا أدري،  ولم يدر كذلك H.P. Lovecrat المؤلف الأمريكي حين اسماها
The Nameless City!
ونسج حولها روايته التي جرت أحداثها المتخيلة في نفس المنطقة التي تسمر فيها جسمي خشوعاً من هول ما رأت عيناي؟!

كنت في منطقة الأحقاف!

الأحقاف، يا رعاك الله، تعني لغةً الرمال التي استطالت في اعوجاج..هكذا قال المنجد..

رمالٌ تستطيل في اعوجاج أمام ناظريك، تماماً كرمال الربع الخالي التي أعبرُها  الآن في طريقي الى منطقة “جدة الحراسيس” التي انشات فيها الحكومة العمانية، مشروعا لحماية “المها العربية” في مبادرة بيئية نافذة البصيرة، تستهدف الحفاظ على حيوان المها الذي بدأت اعداده تتناقص في الصحراء العمانية..كان المشروع باشراف من سلطان البلاد؛ لذلك لم يكن مستغربا ان يفوقَ الاهتمامُ به كلَّ تصور..جمعت المادة التي اريدها عن المشروع ثم غادرت..

من جدة الحراسيس تحركت نحو الاحقاف التي تحول اسمها لاحقا الى  ظفار ..هي المنطقة الجنوبية من عمان والمتاخمة لليمن، إنها ارضٌ ذات تاريخ عريق ضارب في القدم، ولا غَرْو إن تمسك اهلُها بالرأي القائل بانها الاحقاف المذكورة في محكم التنزيل ويستدلون على ذلك بالسورة التي تحمل اسمها :   الأحقاف…وقوم عاد وثمود..

وصلت عاصمتها صلالة ذات نهار خريفي؛ تخفرك فيه السحب بالطل ونسيمات من ارض اللبان، حين تتنهد فرحةً باستقبالك.. هنا الغرض من زيارتي الوقوف على ما بلغه مشروع اجتماعي ضخم؛ اقامته شركة النفط التي اعمل فيها؛ في اطار مساعيها الرامية لتمكين المرأة العمانية؛ من الانخراط في الانشطة التجارية؛ بدعم من الشركة…حقق المشروع نجاحا ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى الخليجي والعربي على حد سواء، واصبح بذلك  أيقونة لانشطة  المسؤولية الاجتماعية، التي تستهدف المراة وتمكينها  من المشاركة في الجهود  الرامية الى تحقيق القيمة المحلية المضافة…

كان في بالي ان أعدَّ مقالا عن المها العربية؛ وتوطينها  في صحراء الربع الخالي؛ لنشره في المجلة الفصلية التي تصدرها الشركة باللغتين العربية والانجليزية..مجلة لا تقل جودة من حيث المضمون والشكل عن مجلة *ناشيونال جيوغرافيك* المشهورة..

سعدتُ بأن رأستُ هيئة تحريرها لسنوات..كانت المها العربية ضمن الموضوعات التي خططتُ للكتابة عنها، وجمعت لها المادة المطلوبة..

ولكن ما صرف نظري عن المها وعيونِها، كانت جموع بشرية من الخليجيين بازيائهم المعروفة، تغدو وتروح حول تل مرتفع، ليس بعيدا عن مبنى البلدية..وحين سألت عنه قيل لي هو منطقة *المزارات..*

إذن هي وجهة السياحة الاولى في *درة الخليج* كما يصف الخليجيون *ظفار* حين يفدون اليها اثناء مهرجان الخريف؛ الذي تنظمه السلطات مع بداية الامطار، كل عام..وامطار الصيف في الخليج كما تعلم؛ اهزوجة مشتهاة تدوزن انغامها؛ خضر المروج فوق قمم جبال ظفار وسهولها…

فانطلقتُ الى *المزارات*  مُمنيا نفسي بمقال آخر … وكان لي ما تمنيت!

على مقربة من بلدية صلالة كان *الضريح الأكبر* على مستوى  العالم.. اللوحة المعدنية التي تتوسط الهيكل تقول عن طول القبر إنه يبلغ  نحو ثلاثين مترا وعرضه ٧٥ سنتيمترا! يا الهي!  وما ان تطأ قدمُك السياج التي تحيط بالمبنى حتى يحلق بك الخيال الى زمن غير زماننا، واناس غير مَن نعرف.. الضريح يكسوه قماش حريري اخضر اللون كُتبت عليه بخط جميل وبلون ذهبي جاذب، آياتٌ قرآنية  ما زاد الضريح ابهة وجلالا..

قال لي القائمون على أمر القبر هو قبر عمران عليه السلام! والد السيدة العذراء! عليها سلام الله.. إنه  أطول قبر في العالم..يتمدد لنحو ثلاثين مترا في طوله.. سبحانك ربي!

الضريح يزوره كثيرون من الخليج ومن الهند وباكستان. حول الضريح مسجد صغير وتحيط به حديقة دقيقة التنسيق. المبنى الذي يوجد القبر داخله به نوافذ عدة للتهوية….احساس بالخوف يسربلك وانت تحدق في المكان.. خوف يتمدد في داخلك ويجري في أوصالك مجرى الدم.

وعلى مقربة من الضريح يوجد قبر اقل طولا (نحو ٨ امتار) قيل لي هو قبر النبي *صالح- صاحب الناقة* عليه السلام. وعند مدخل المدينة يوجد قبر ثالث ذو طول عادي هو قبر النبي *هود عليه السلام ثم  يأتي قبر النبي *ايوب عليه السلام..

وعلى بعد كيلو متر واحد تقريبا من القبر؛ يوجد كهف تنبع داخله عين ماء؛ تقول الحكاية الشعبية عنها إن النبي ايوب عليه السلام شعر بالظمأ؛ وهو على فراش المرض، واخبرته زوجتُه ان ماءهم قد نفد، فدعا أيوب ربَّه ان يعينَهم، فانبجست الارض ماءً، فكانت العين الموجودة داخل الكهف، والتي لا ينضب معينُها..تصيخ السمعَ لما يروى لك، فيتمدد جسمُك رهبة تورثك رعشة فتتصبب عرقا ..رائحة المسك واللبان تتضوع فترفد المكان بذلك المزاج الروحاني فتزداد أنت رهبة وخشوعا…  ففي ارض الانبياء لا شيء سوى الخشوع والرهبة !

غادرت المكان ودخان *اللبان الظفاري* يتصاعد  ويتصاعد وكأنني به يردد اصداء تضرعات الزوار وهم يرددون السلام على *عمران وصالح وهود وايوب عليهم السلام أجمعين…*

وفي طريق عودتي إلى مسقط على بعد بضعة كيلومترات من منطقة المزارات؛ فوجئت بوجود سيارات تحمل نفس شعار الشركة التي أعمل فيها..شعار لافت بلونيه الأخضر والأحمر وبشكله الدائري المميز..لا تخطئه عينُك إن صادفتُه..

طلبتُ من زميلي السائق  الفليبيني أن يتوجه إلى المكان الذي تقف فيه سيارات الشركة بشعارها اللافت..

هناك وقفوا مبهورين بما شاهدوا؛ حين بلغت الحفريات التي يشرفون عليها؛ عمقا أبان لهم ما اعتقدوا أنه بنيان قديم..

قالوا إنهم جاءوا لتغيير خط النفط الرئيسي من موقعه الحالي لموقع أنسب جيولوجيا؛ ولكنهم فوجئوا؛ حين اماطت آليات الحفر الضخمة؛ اللثامَ؛ عن كنز آثاري مهيب..فريق من مهندسي النفط وهندسة حفر الآبار وموظفون من وزارة التراث جاءوا تلبية لدعوة الفريق الهندسي للوقوف على هذا الكشف الآثاري الكبير..

بعد أيام تداولت الصحف هذا الأمر فقال بعض كتّاب الأعمدة إن المدينة المدفونة ربما تكون إرم ذات العماد واستندوا في حجتهم على ما أكدته دراسات سابقة أن قوم عاد وثمود سكنوا في المنطقة بين جنوب اليمن وجنوب عمان: *الأحقاف*؟

واذكر ان مجلة تايم الأمريكية أرسلت مراسلا لها ليتابع ما تكشفه من نتائج؛ حملةٌ؛ يقوم بها خبراء آثار من بعض أشهر الجامعات العالمية؛ بتمويل من جهات من بينها السلطان قابوس ووزارة التراث العمانية..

لم يتسن لي الوقوف على نتائج تلك الحملة الآثارية؛ لذلك لست أدري إن كانت تلك الأطلال هي *إرم ذات العماد؟* مع أن بعض المؤرخين والمهتمين يقولون عن موقعها؛ إنه في الأردن؛ حيث توجد آثار مدينة البتراء؛ وآخرون قالوا بل هي في مصر..

أما مفسرو القرآن فيرجحون أنها أي *إرم ذات العماد* أزيلت من على وجه الأرض؛ بالريح الصرصر العاتية؛ التي ارسلها الله تعالى على قوم *عاد وثمود* ليذيقهم “عذاب الخزي في الحياة الدنيا” جراء استهزائهم بالرسل..

أين تكون إرم ذات العماد يا ترى؟

لا ادري!

حتى الفرنجة يكتفون بالقول:

It is a lost city believed to have been located around the Rub al-Khaki desert..

إن عجز العلماء على مستوى العالم، من تحديد موقع *إرم ذات العماد،* قد يقيم الدليلَ على انها نُسِفت من على وجه الارض جراء ما اكتسبته عاد وثمود…وكان عذاب ربك عظيما..

فهل ترى لهم من باقية؟

يا لها من استفهام انكاري عميق المغازي يؤكد أن الله سبحانه وتعالى استأصل شأفتهم فلم يبق لهم أثر…!