سرديات

الفولنجيون نحن!

ظرفاء مدرسة الخرطوم الأميرية الوسطى أطلقوا علينا-نحن مجموعة من الأصدقاء- هذا اللقب بسبب عشقنا للفول دون غيره في حصة الفطور..

 

مطعم سلوى في وسط المدينة كان غايتنا إن تيسر الحال..

 

يا سلااااام أيام زمان..

 

فولنجي أنا من زمن بعيد؛ ويشاركني هذا العشق، نفر كريم من اصدقاء الزمن الجميل.

 

كنا مجموعة من تلامذة الخرطوم الأميرية الوسطى نقصده، من وقت لآخر، وتكون الحصة التالتة بالتالي-وهي التي تلي حصة الفطور- خبر كان محذوف!

 

مطعم سلوى كان الأفضل بين كل مطاعم العاصمة حين يأتي الحديث عن الفول بالجبنة والسمن البلدي.

 

ثم مرت السنوات وانقطعت علاقتي بهذا المطعم ولم أعد أزوره مع أني لفوله ما زلت-إلى يومي هذا- وامقاً!

 

احد اصدقائي من مجموعة الخرطوم الأميرية وزياراتنا لمطعم سلوى، التقيته قبل سنوات في الخرطوم، بعد طول غياب..

 

كان الحديث عن ماضي الذكريات ولم يكن الفول ومطعم سلوى بالطيع غائبيْن!

 

-أيه رأيك يا صاحبي أعزمك فول لعله يعيد الينا بعض ذكريات تلك الايام الخوالي وذلك الفول الذي كان..

 

طيب المذاق كان طبق الفول..

 

مطعم خرطوم تاون في وسط المدينة لا يقل جودة عن مطعم سلوى اذا عرّج بك الحديث، على الفول وفنيات اعداده بمكوناته العجيبة..فاصبح بالتالي وجهتي الأولى كلما زرت الخرطوم عابرا اليها كبري النيل الأبيض من ام در..

 

لهذا المطعم بابان:

شمالي وكان هو مدخلي للمطعم وجنوبي أخرج منه لألقي التحية على صديقي ابراهيم، وهو من الوراقين الذين يعرضون كتبا قيمة تفترش الأرض امام البوابة الشمالية للجامع الكبير..صداقتي بدات مع هذا الشاب يوم سالته ذات مرة عن النسخة الأصلية من كتاب بابكر بدري..لم يكن الكتاب بين مجموعته ولكنه وعدني باحضاره..وفّى بوعده فنمت الصداقة بيننا..

 

آخر لقاء لي بصديقي الوراق كان قبل الحرب.. ناداني وأنا مقبل عليه :

-الليلة عندي ليك كتاب مهم..

ناولني كتابا باللغة الانجليزية..

أخذته منه ووجدت تعليقا على غلافه يقول:

 

(Anyone who wants to know why the United States is hated across much of the world, need to look no farther than this book..)

 

” من اراد متكم ان يعرف السبب الذي يجعل معظم دول العالم تكره امريكا؛ فإنه لا يحتاج لأكثر من هذا الكتاب..”

 

بهذه الكلمات قدمت  كاثرين فاينر

Katharine Viner

رئيسة تحرير صحيفة *الغارديان* اللندنية الواسعة الانتشار كتابا نال من الشهرة، ما لم ينله اي كتاب آخر، عند صدوره عام ٢٠١٣…

 

الكتاب صدر بعنوان الشقيقان The Brothers وهو من تأليف احد أشهر صحافيي أمريكا اسمه  ستيفن كينزر Stephen Kinzer الذي عمل في عدة صحف منها نيو يورك تايمز و صحف اخرى إلى جانب *الغارديان* اللندنية التي لا يزال يكتب فيها عمودا راتبا..

 

كاثرين فاينر رئيسة تحرير الغارديان لم تقل في تقديمها لكتاب زميلها ستيفن كينزر ما قالته من باب المجاملة بحكم الزمالة، وانما كان ما قالته هو الحقيقة التي توصل اليها كثيرون ممن قراوا الكتاب وأنا منهم…

 

ف الشقيقان الحقا من الضرر ببلدهما أكثر بكثير من مصلحته -بمنظورهما- والتي لهثا في سبيل تحقيقها لهاثا لم يثمر كما توهما…

 

حين جاء الراحل جمال عبد الناصر  إلى سدة الحكم في مصر عام ١٩٥٦ اقدم، خلال أشهر من توليه الحكم، على ثلاث خطوات كانت لها تداعياتها الاقليمية والدولية والتي جعلت دولا غربية تستعدي مصر:

 

اولا وقعت مصر بزعامة ناصر على معاهدة مع الاتحاد السوفيتي تنص على تزويد مصر بأسلحة متطورة ومتقدمة من أجل تقوية القوات المسلحة المصرية في مواحهة اسرائيل، علما بأن هذه الاتفاقية لم تُبرم الا بعد رفض الدول الغربية تزويد مصر بالسلاح المطلوب..

 

ثانيا مساعدة مصر للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي وتزويدها بالدعم العسكري..

 

ثالثا قيام مصر بتأميم قناة السويس ما منع انجلترا من الاستفادة ماليا من ادارة القناة…

 

كانت هذه هي الاسباب التي ادت إلى “العدوان الثلاثي” على مصر فيما عرف بحرب السويس…

 

شاركت في العدوان *الدول الثلاث* التي تضررت من الخطوات التي اقدم *ناصر* على تنفيذها وهي بريطانيا وفرنسا واسرائيل…..

 

الشقيقان اوعزا لرئيسهما بضرورة الضغط على الدول الثلاث لوقف العدوان على مصر حتى لا يجد الاتحاد السوفيتي ذريعة لموطيء قدم في مصر..

 

توقف العدوان، ولكن الفراغ الذي خلفه انسحاب بريطانيا وفرنسا من مستعمراتهما في الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية، حفز *الشقيقين* على اقناع رئيسهما لتبني مبدأٍ ظل يراودهما منذ أمد بعيد…وهو *التوسع في تلك البلدان بحجة الحد من التمدد الشيوعي*…

 

مبدأ الرئيس الأمريكي آيزنهاور -والذي عرف ب “مبدأ آيزنهاور”-كان وراءه الشقيقان: وزير خارجيته *جون فوستر دلاس* وشقيقه *ألن دلاس* مدير مركز المخابرات الامريكية CIA-رجل العمليات السرية التي الحقت بسمعة الدولة الأعظم الكثير من الضرر…

 

*الشقيقان* هما من أقنعا الرئيس *آيزنهاور* بملء الفراغ الذي خلفه انسحاب بريطانيا وفرنسا من دول الشرق الاوسط وذلك بتبني *مبدأ آيزنهاور* والذي يسمح لامريكا بنشر قواتها العسكرية الضاربة في اراضي اية دولة تطلب المساعدة، بحجة وقف التمدد الشيوعي في هذه الدول…

 

يعيب مؤلف الكتاب على الشقيقين انهما عملا على تكريس مبدأ تدخل واشنطن بشكل غير مقبول او غير مبرر في شئون الدول الأخرى.

 

هذا المسار أفضى بالرجلين الى التدخل بكل الأشكال والأساليب من أجل اسقاط أنظمة وإنهاء زعامات تصورا أنها معادية للولايات المتحدة، ولمصالحها ولمكانتها القيادية في عالم ذلك الزمن…

 

“الشقيقان”كانا وراء نشر قوات المارينز في لبنان درءا لما قد ينجم من مخاطر تفرزها *الجمهورية العربية المتحدة* التي تشكلت بضم “مصر وسوريا” تحت زعامة جمال عبد الناصر…

 

*الشقيقان* كانا وراء استمالة *عبد الناصر* واغرائه بالمال ليناى بنفسه عما يتبناه من *حياد ايجابي* لأنه في رايهما (موقف غير أخلاقي: بمعنى إما ان تكون معي او ضدي، ليس من منطقة رمادية في عُرفنا)..

 

دفع *الشقيقان* ل *ناصر* ثلاثة ملايين دولار نقدا وظفها *ناصر* لانشاء *برج القاهرة* وعشرين مليون دولار كمساعدات عينية وعسكرية الى جانب التزام امريكا بتمويل *السد العالي*-المشروع الحلم لمصر. ولكن عندما لم يلب ناصر طلبهما بالتخلي عن *موقفه الحيادي* بين معسكري الحرب الباردة، تنصلت امريكا بايعاز من *الشقيقين* عن تمويل المشروع الحلم ما كان سيضع مصر في مازق مالي لولا قبول الاتحاد السوفيتي لتمويل المشروع…

 

“الشقيق الاصغر” – “ألن دلاس” زار مصر خلال تلك الأيام وقابل المدير الاقليمي للمخابرات الامريكية في القاهرة.. أبلغه الأخير ان تأثير *ناصر* في دول المنطقة العربية يتزايد يوما بعد يوم تحت مظلة الوحدة العربية التي يرفع شعارها…حينها رد عليه *الشقيق الأصغر* : لو تمادى *ناصر* في سياسته هذه فإنني لن *أتردد في تمزيقه إلى نصفين*. ثم سلم المدير الاقليمي ورقة تحتوي على تعليماته القاضية بالعمل سرا مع الخلايا المخابراتية على الاطاحة بحكومة الدكتور *محمد مصدق* في ايران و *احمد سوكارنو* رئيس اندونيسيا و *باتريس لوممبا* في الكونغو و *فيدل كاسترو* الرئيس الكوبي و *هوشي منه* رئيس فيتنام و *جاكوبو أرينز* رئيس غواتيمالا…

 

في سبتمبر ١٩٥٨ اجمعت الوفود العربية على ترشيح *محمد أحمد محجوب* وزير خارجية السودان لرئاسة الجمعية العمومية. لم يكن هناك منافس للمحجوب حتى الأيام القليلة الفاصلة، حين دفع لبنان بوزير خارجيته *شارل مالك* منافسا للمحجوب…الكفة مرجحة بفارق كبير لصالح المحجوب لذلك جاء الشقيق الأكبر جون فوستر دلاس لنيويورك ليقف الى جانب حكومة *كميل شمعون -رجل امريكا في المنطقة. جاء الرجل ليعزز موقف *شارل مالك..

 

يحكي المحجوب  في كتابه (الديمقراطية في الميزان) كيف طلب الشقيق الاكبر- جون فوستر أن يلتقيه في فندق “ولدروف استوريا” في نيويورك.. لم يكن اللقاء لقاءا وديا إذ للمحجوب أنفٌ لا يذل وكبرياء باذخ..قال المحجوب في كتابه:

 

كانت علاقتي بالدكتور *شارل مالك* حسنة وإن كنت أشعر بأنه جُرَّ الى الديبلوماسية مترددا، وانه كان يفضل البقاء في الجامعة..كان التماس الاصوات شديدا….

 

اضطرب فوستر حين تبين ان اكثرية الاصوات تميل إليّ. فحضر من واشنطن الى نيويورك لتأييد شارل مالك وذهب في ذلك الى حد ان ابرق الى مختلف رؤساء جمهوريات امريكا اللاتينية وهدد وفودها في الأمم المتحدة بقطع المعونة الأمريكية عن بلادها اذا لم تصوت لصالح شارل مالك.

 

حين التقاه المحجوب في ردهات مبنى الأمم المتحدة عبر له *الشقيق الأكبر فوسترعن أسفه لعدم تأييد ترشيحه من قبلهم قائلا (فقد وعدنا بذلك الدكتور “مالك”  قبل وقت طويل) ..

 

كتب المحجوب عن الواقعة: كان المندوبون والصحافيون واقفين على مسمع منا حين اجبته ( شكرا يا حضرة الوزير. افهم ان تعطوه صوتكم لانكم وعدتموه به، اما ما لا أستطيع فهمه فهو جمعك الأصوات له وتهديدك مندوبي امريكا اللاتينية. دعني اقل لك إنني اعتدت تماما الفشل والنجاح والفشل بالنسبة لي هو الخطوة الاولى نحو النجاح..لكن بلدي لن يغفر لك هذه الاساليب وسينظر دائما إليك بازدراء)…

 

هكذا كان الشقيقان *فوستر والن* يرسمان سياسة امريكا تحت زعامة *آيزنهاور* وفق رؤيتهما التي اكسبت امريكا في تلك الحقبة كراهية الكثير من دول العالم…

 

*كتاب الشقيقان من الكتب التي أرغب في ترجمتها كان الله هوّن..*