مسارات السلام في السودان: قراءة تحليلية في المبادرات و الرؤى المتنافسة

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

في خضم الحرب السودانية، لا تعاني البلاد فقط من تعدد الجيوش و السلاح، بل أيضاً من تعدد خرائط الخروج نفسها. فكل تيار سياسي، أو مدني، أو مسلح، بات يحمل وصفته الخاصة للسلام، و كأن السودان لم يعد ساحة حرب واحدة، بل عدة حروب متوازية، حرب على السلطة، و حرب على الهوية، و حرب على الدولة، و حرب على تعريف من يمثل السودان.

و في هذا المشهد المعقد، تبرز أربعة مسارات رئيسية تتنافس اليوم على تقديم نفسها باعتبارها الطريق الأقصر نحو السلام المستدام.

*أولاً: الجبهة المدنية العريضة: قوة الفكرة و ضعف الواقع*

تقوم فكرة الجبهة المدنية العريضة على توحيد القوى المدنية و الديمقراطية في كتلة واسعة تواجه الاستقطاب العسكري، و تعيد الاعتبار للعمل السياسي المدني بوصفه البديل عن البندقية.
تبدو هذه الفكرة جذابة أخلاقياً و سياسياً، خاصة بعد الانهيار الكبير في صورة النخب العسكرية. لكنها تصطدم بمشكلة بنيوية عميقة، تتمثل في أن القوى المدنية السودانية نفسها تعاني انقسامات حادة، و ضعفاً تنظيمياً، و أزمة ثقة جماهيرية متراكمة.

و هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع جبهة مدنية، مهما اتسعت، أن تفرض السلام على أطراف تمتلك السلاح و المال و الدعم الإقليمي؟

تشير التجربة السودانية إلى أن القوى المدنية، رغم قدرتها على إنتاج الشرعية السياسية، لم تتمكن حتى الآن من صناعة موازين قوة حقيقية. و لذلك قد تتحول الجبهة المدنية إلى منصة ضغط أخلاقي و سياسي مهمة، لكنها وحدها لا تبدو كافية لإيقاف حرب بهذا التعقيد.

*ثانياً: المائدة المستدير: هل يمكن جمع الجميع حول طاولة واحدة؟*

تستند فكرة المائدة المستديرة، التي تدعو إليها بعض القوى، إلى منطق بسيط مفاده أن الحروب متعددة الأطراف لا يمكن إنهاؤها إلا عبر حوار متعدد الأطراف.
وتستدعي هذه الفكرة، جزئياً، تجربة السودان التاريخية بعد ثورة أكتوبر 1964، حين أصبحت المائدة المستديرة إطاراً لمناقشة قضية جنوب السودان آنذاك.

تكمن أهمية هذا الطرح في اعترافه بتعقيد الأزمة السودانية و رفضه اختزالها في صراع بين جنرالين فقط. لكنه يواجه معضلتين أساسيتين:

*الأولى ، أن القوى المسلحة كثيراً ما تدخل أي عملية تفاوضية و هي تفكر في تحسين شروط الحرب، لا إنهائها.

*و الثانية أن تعدد الأطراف قد يحوّل المائدة المستديرة إلى سوق تفاوض يفتقر إلى القدرة على اتخاذ قرارات ملزمة.
فالسودان اليوم ليس منقسماً سياسياً فحسب، بل جغرافياً و اجتماعياً و إثنياً و عسكرياً أيضاً. و لذلك فإن مجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا مستعدين لبناء دولة مشتركة.

*ثالثاً: الحكومة الموازية: محاولة لصناعة واقع جديد*

أما طرح تأسيس المتعلق بتكوين حكومة موازية، فهو بحسب مؤيديه *لا ينطلق من رغبة في تقسيم السودان* ، بل من قناعة بأن الدولة القديمة فقدت مشروعيتها و قدرتها على تمثيل جميع السودانيين، و أن الحرب كشفت عمق الأزمة البنيوية في شكل الدولة نفسها.
و يرى أنصار هذا الطرح أن إعادة تأسيس السودان تتطلب سلطة جديدة تعبّر عن الهامش و القوى المستبعدة تاريخياً، لا مجرد إعادة تدوير المركز القديم بوجوه مختلفة.

لكن في المقابل، *يخشى معارضون من أن يؤدي تعدد مراكز السلطة إلى تسريع وتيرة الانقسام* ، خاصة في ظل وجود جيوش متعددة و استقطابات إقليمية حادة.
و من المهم هنا التوضيح أن مناقشة هذه الفكرة لا تعني بالضرورة تبنيها بالكامل أو إلغاء الأسئلة المشروعة حولها. فالسياسة ليست ساحة للتقديس، بل مجال للنقاش و النقد، حتى داخل التحالفات نفسها. بل ربما تكمن قوة أي مشروع سياسي في قدرته على تحمّل الأسئلة الصعبة، لا الهروب منها.

و مع ذلك، فإن أي حكومة موازية مهما كانت مشروعية دوافع تكوينها ستواجه تحديات جوهرية تتعلق بالاعتراف الدولي، و القدرة الاقتصادية، و إدارة التنوع داخل مناطق سيطرتها.

رابعاً: الحوار السوداني: الفكرة الصحيحة التي أفسدتها التجارب

رغم الضجيج الإقليمي و الدولي، ظهرت بالفعل مبادرات سودانية حاولت الدفع نحو حل وطني، و إن كانت تعاني ضعف التأثير و التغطية الإعلامية مقارنة بالقوى المسلحة و التحالفات الكبرى.
و قد طُرحت هذه المبادرات، من حين إلى آخر، بواسطة أكاديميين، و منظمات مجتمع مدني، و إدارات أهلية، و طرق صوفية، و بعض الشخصيات القومية المستقلة. غير أن معظمها اصطدم بعوائق كبيرة، أبرزها انعدام الثقة بين القوى السياسية، و هيمنة السلاح على المجال العام، *و التدخلات الإقليمية و الدولية.*

و هنا ينقسم السودانيون حول هذه المبادرات إلى رؤيتين رئيسيتين:

*الرؤية الأولى: لا سلام بلا تفكيك مشروع الإسلاميين*

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن إشراك الحركة الإسلامية، بصورة مباشرة أو عبر واجهاتها السياسية، يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها. فالمشكلة بالنسبة لهم لا تتعلق بمجرد أفراد أخطأوا، بل بمشروع سياسي كامل قام على التمكين، و احتكار الدولة، و استخدام الدين في الصراع السياسي.
لذلك يعتبرون أن أي تسوية لا تُنهي نفوذ هذا المشروع لن تقود إلا إلى هدنة مؤقتة يعقبها انفجار جديد.

*الرؤية الثانية: لا سلام مع سياسة الإقصاء الكامل*

في المقابل، يرى آخرون أن استبعاد تيار اجتماعي و سياسي واسع مهما كانت الخلافات معه أمر يصعب تطبيقه عملياً، خاصة في ظل الحرب الحالية و تشظي موازين القوة.
و يجادل هؤلاء بأن تجارب الإقصاء الشامل في المنطقة كثيراً ما قادت إلى مزيد من التطرف أو الحروب الطويلة، *و أن السلام المستدام يتطلب التمييز بين المحاسبة القانونية على الجرائم، و بين الإقصاء السياسي المطلق لجماعات كاملة.*
و هنا تظهر المعضلة السودانية الحقيقية: *كيف يمكن الجمع بين مطلب العدالة الثورية و متطلبات التسوية السياسية؟*
و هو سؤال لم تتمكن القوى السودانية، حتى الآن، من تقديم إجابة نهائية ومقنعة عليه.

إذن ما الطريق الأقصر؟

ربما تكمن المشكلة في السؤال نفسه.
فالسودان لا يبحث عن أقصر طريق إلى السلام، بقدر ما يبحث عن أقل الطرق كلفةً و انهياراً. ذلك أن الطرق المختصرة في السياسة السودانية كثيراً ما قادت إلى حروب أطول و أكثر تعقيداً.
فالسلام المستدام لن يتحقق عبر منصة واحدة فقط، و لا عبر انتصار عسكري كامل، و لا عبر بيانات سياسية أنيقة.
بل يحتاج إلى معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين وقف إطلاق نار حقيقي، و عملية سياسية شاملة، و إصلاح بنية الدولة، و معالجة جذور التهميش، و إعادة بناء المؤسسة العسكرية، و تحقيق عدالة انتقالية تمنع إعادة إنتاج الحرب.
و باختصار: لا جبهة مدنية وحدها تكفي، و لا مائدة مستديرة وحدها تكفي، و لا حكومة موازية وحدها تكفي، و لا حوار بلا ضمانات يكفي.
فالسلام في السودان لن يصنعه الشعار الأقوى، بل المشروع الأكثر قدرة على تحويل التنوع السوداني من وقود للحرب إلى أساس لبناء الدولة.