
السودان : ازمة كهرباء ومياه يفجران احتجاجات وسط ضغوط معيشية
الخرطوم ، الغد السوداني – عاصم اسماعيل
دخلت العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من ولايات السودان فى ازمات جديدة فاقمت من معاناة السكان مع تزايد انقطاعات الكهرباء والمياه بصورة غير مسبوقة، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة بشكل حاد،ودفعت الأزمة المواطنين إلى شراء المياه بأسعار باهظة، حيث وصل سعر برميل المياه في بعض المناطق إلى 15 ألف جنيه،ما زاد من الضغوط المعيشية على الأسر التي تعاني أصلاً من موجة الغلاء الطاحن منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023م كما يعانى السكان من انقطاعات الكهرباء الذى تسبب فى توقف امداد المياه، وحول انقطاع التيار الكهربائي أجزاء واسعة الى ظلام شامل، فيما شهدت بعض الولايات تظاهرات احتجاجاً على انقطاع الكهرباء المستمر منذ أكثر من شهر،مطالبين بتحسين الخدمة.
وتجددت الاحتجاجات في منطقة عبري،بالولاية الشمالية (الاحد) على خلفية استمرار أزمة الكهرباء التي تعاني منها المنطقة منذ أسابيع، حيث يشهد السكان انقطاعاً يومياً لساعات طويلة، ما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية وتفاقم معاناة الأهالي، وأغلق المحتجون الطريق الحيوي الرابط بين مدينتي دنقلا ووادي حلفا، وهو الطريق البري الذي يمثل شرياناً رئيسياً لحركة النقل بين السودان ومصر. وأوضح أحد المشاركين أن عشرات الشباب نفذوا الإغلاق في خطوة تصعيدية تهدف إلى الضغط على السلطات لوقف ما وصفوه بـ “برمجة القطوعات الجائرة.
كما أغلق محتجون في منطقة السكوت بالولاية الشمالية طريق شريان الشمال(شمال السودان) عند مدينة عبري،معلنين وقف حركة الشاحنات بشكل كامل احتجاجاً على استمرار انقطاع الكهرباء في المنطقة، قبل ان تقوم السلطات الامنية بانهاء الاحتجاجات بعد أن أغلقوا طريقاً رئيسياً يُعد شرياناً حيوياً للولاية. وقالت الجهات الامنية بالمنطقة ان التدخل الأمني جاء بهدف إعادة فتح الطريق وضمان انسياب الحركة، في وقت شددت فيه الجهات الرسمية على أن معالجة المطالب الخدمية يجب أن تتم عبر القنوات القانونية بعيداً عن تعطيل المرافق العامة.
وقال المحتجون في بيان إن قرار إغلاق الطريق جاء بعد عدم استجابة السلطات لمطالب سابقة طُرحت خلال وقفات أمام الوحدة الإدارية في عبري، وأوضح المحتجون أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي أثر على الأنشطة الزراعية والخدمات الأساسية، ما أدى إلى زيادة الأعباء على السكان في عبري والمناطق المجاورة، وأكد البيان أن الإغلاق سيستمر مع السماح بمرور الحافلات والبصات السفرية فقط، إلى حين استقرار إمدادات الكهرباء بشكل كامل، ودعا القائمون على الاحتجاج سكان قرى السكوت إلى الانضمام للتحركات الجارية، مشددين على أن مطالبهم تتعلق بخدمات أساسية يجب توفيرها بصورة مستمرة.
وتمتد الانقطاعات لساعات طويلة يومياً،بينما يعاني سكان بعض المناطق من انقطاع كامل تجاوز الشهر، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة التي تصل إلى أكثر من 40 درجة مئوية. وتسببت هذه الأزمة في احتجاجات واسعة خاصة في شمال السودان، وسط ضغوط إضافية على الخدمات الأساسية ومعاناة ملايين النازحين داخلياً.
ولم يحدد بيان الكهرباء الصادر”الاحد” عن ادارة الكهرباء الاسباب الحقيقية وراء انقطاع التيار الكهربائي،الا ان الجهات الفنية المختصة بقطاع الكهرباء،قالت انها شرعت في البدء الفوري في عملية إصلاح عطل طارئ ومفاجئ ضرب الشبكة القومية الناقلة للكهرباء وأدى لإظلام واسع،وأكد المهندسون العاملون في غرف التحكم والسيطرة الميدانية أن العمل يجري حالياً لمعالجة الخلل الفني وإعادة الاستقرار للمنظومة الكهربائية في أسرع وقت ممكن لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين.
الا ان وزير الطاقة المعتصم إبراهيم،ارجع الانقطاعات بالاستخدام غير المرشد للكهرباء والتوصيلات العشوائية، إضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالقطاع خلال سنوات الحرب،ويقول فى تصريح صحفي”لا يوجد عجز فعلي”،مع استمرار دعم ألحكومة لقطاع الكهرباء بنسبة تفوق 85 في المائة من الموازنة.
إبراهيم كشف عن سرقة 14 ألف محول كهربائي من ولاية الخرطوم خلال الحرب، موضحاً أن الوزارة تمكنت من تركيب 2500 محول جديد،مع خطط لتركيب ألف محول إضافي واستيراد ألفي محول ،كما أشار إلى أن الاعتماد الأكبر بات على التوليد المائي بعد تدمير معظم محطات التوليد الحراري،التي كانت توفر ما بين 60 و70 في المائة من الإنتاج الكهربائي.
وتسبب انقطاع الكهرباء فى ازمة مياه فاقمت من معاناة المواطنيين،فيما ارجعت هيئة مياه ولاية الخرطوم فى بيان صحفي الاحد شح المياه ونقص الإمداد المائي الحالي للارتفاع الكبير والمفاجئ في درجات الحرارة،وأوضحت الهيئة في بيان أن الطقس الحار فاقم من معدلات استهلاك السكان للمياه بصورة قياسية،مما شكل ضغط كبير وفوق الطاقة الاستيعابية على المحطات النيلية الناقلة،والتي تأثرت كفاءتها التشغيلية والميدانية أيضاً بعدم استقرار التيار الكهربائي العام،وقالت هيئة المياه في بيانها انها خطت خطوات متقدمة لتشغيل أكثر من 600 بئر جوفية بجميع محليات الخرطوم،بدعم كامل من منظومة الطاقة الشمسية لضمان استقرار الخدمة وتجاوز الأزمة الطارئة وفق البيان.
وعبر مواطنون عن قلقهم من تكرار قطوعات الخدمات الاساسية من المياه والكهرباء،وأكدوا أن استمرار الوضع الراهن ألحق أضراراً مباشرة بالخدمات الحيوية،بما في ذلك المستشفيات وحفظ الأدوية والمواد الغذائية،فضلاً عن تعطيل مصالح الناس اليومية،ويقول احمد عبد العزيز احد الاطباء،ان تكرار انقطاعات الكهرباء والمياه يهدد استمرار العمل فى المستشفيات ويزيد من الامراض، حيث ظل التيار غير مستقر الى ان شهدت الخرطوم انقطاعات كاملة دون توضيح من الجهات المختصة واضاف ان ارتفاع الوقود ساهم بشكل كبير فى ضعف عمل المولدات الخاصة، كما ان انقطاع المياه المتكرر يضاعف من التكلفة فى وقت تعانى فيه المصانع المحلية من ارتفاع الفاتورة نتيجة للرسوم الكبيرة التى دفعت عدد من مصانع المياه الى التوقف وزيادة الفاتورة .
فيما قال مواطنون أن حق المواطنين في الحصول على خدمات مستقرة مقابل الرسوم المدفوعة لا يمكن تجاهله،واكدوا ان مقدم الخدمة يحرص على الدفع مقدما مقابلها،مشيرين الى ان تجاهل السلطات للامر يزيد من حالة الاحتقان ،مطالبين بايجاد حلول عاجلة تحفظ استقرار الخدمات الأساسية.
وتراجعت خدمات المياه بشكل كبير فى العاصمة الخرطوم مع ضعف قدرة محطات المياه على الامداد ما ادى الى نقص كبير فى مياه الشرب وارتفاع تكاليف الحصول عليها،ويقول سكان بالعاصمة إن الحصول على المياه بات يتطلب ساعات من الانتظار أو قطع مسافات طويلة،بينما أصبحت عربات النقل التقليدية الوسيلة الأساسية لتوفير الإمداد المنزلي،ويشير السكان إلى ارتفاع الأسعار وتراجع جودة المياه المتاحة،في ظل مخاوف من انتشار أمراض مرتبطة بالتلوث.
ويؤكد أصحاب مهن صغيرة أن الأزمة أثرت مباشرة على أعمالهم اليومية ،ويقول الطيب بلال،وهو يعمل في نقل المياه،إن انقطاع الكهرباء أدى إلى توقف محطات الضخ، ما يجبره على الانتظار لفترات طويلة للحصول على برميل مياه يشتريه بنحو 5 آلاف جنيه قبل بيعه بما يصل إلى 20 ألف جنيه لتغطية تكاليف النقل،وتوضح زينب التوم،وهي من سكان العاصمة الخرطوم أن الأسر تعتمد منذ أكثر من عام على شراء المياه يوميًا رغم تدهور الأوضاع المعيشية
وتقول عاملين فى الاسواق إن انقطاع التيار الكهربائي رفع تكاليف التشغيل اليومية، إذ يضطرون لشراء عبوات مياه بشكل مستمر،وفى ظل ارتفاع أسعار المياه والثلج فانهم يستهلكون معظم الإيرادات.
وفي محليات طرفية من العاصمة الخرطوم، يروى مواطنون معاناتهم فى صعوبة الحصول على المياه،ويقولون ان كثيرين باتوا يواجهون أزمة عطش حادة،مع اعتماد بعض المناطق على مبادرات محلية لصيانة الآبار الجوفية في ظل ضعف الاستجابة الرسمية.
مسوؤلون بولاية الخرطوم،عزوا انقطاع المياه الى ان عدم ثبات وتذبذب التيار الكهربائي ما فاقم من الأزمة، اضافة الى تراجع إنتاج الطاقة خلال فصل الصيف،ويقول المتحدث باسم حكومة ولاية الخرطوم،الطيب سعد الدين، إن بعض محطات المياه تعمل حاليًا عبر مولدات تعمل بالجازولين رغم التكلفة المرتفعة،ويؤكد ان الولاية نفذت تدخلات عاجلة شملت حفر 10 آبار عالية الإنتاجية لتغطية مناطق متضررة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه السودان أزمة إنسانية واسعة النطاق،إذ أدت الحرب المستمرة فى معظم مناطقه إلى تراجع وتدهور الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة،ما جعل الحصول على المياه والكهرباء جزءًا من معركة يومية يخوضها السكان للبقاء في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية قاسي
ويقول المختص فى شؤون الكهرباء ابراهيم شقلاوي ل”العربي الجديد” ان ما يحدث في قطاع الطاقة لا يفتح فقط ضعف إدارة ملف الكهرباء، بل يفتح سؤالًا أكبر عن كيفية إدارة الدولة لأزماتها في هذه المرحلة المفصلية، هل هو الفشل أم ضعف الخبرة أم سوء الإدارة. ويرى ان المؤسسات لا تفقد ثقة الناس دفعة واحدة، بل تفقدها تدريجيًا، مع كل قرار بلا تفسير. ويؤكد ان ملف الكهرباء مازل من اكثر الملفات إثارة للشكوى اليومية، قطوعات تمتد لساعات طويلة، تذبذب مستمر في التيار، خسائر منزلية وتجارية بسبب تلف الأجهزة، وتعطل أنشطة إنتاجية صغيرة يعتمد عليها آلاف الأسر في البقاء، وهنا يصبح السؤال الذي يتشكل في ذهن المواطن مشروعًا إلى أبعد الحدود، لماذا أدفع أكثر مقابل خدمة أقل؟
ويرى ان السودان اليوم لا يعيش ظرفًا طبيعيًا، بالنظر الي الحرب التي أنهكت البنية التحتية، واستنزفت الموارد، ودفعت ملايين المواطنين إلى إعادة تعريف أولويات الحياة اليومية ،وفي مثل هذا السياق،لا تصبح القرارات الخدمية مجرد قرارات مالية، بل تتحول إلى رسائل سياسية كاملة المعنى.
اما الخبير الاقتصادي محمد توم يقول ل”العربي الجديد” ان هذا التطور والانقطاعات المتكررة للكهرباء والاحتجاجات والتى ربما تتزايد خلال الفترة المقبلة تعكس التحديات المتزايدة التي تواجهها الحكومة في ظل تصاعد الضغوط المعيشية، حيث باتت أزمة الكهرباء واحدة من أبرز الملفات التي تدفع المواطنين إلى التعبير عن غضبهم عبر الاحتجاجات، فيما تسعى الأجهزة الأمنية إلى الموازنة بين الاستجابة للمطالب وضمان استقرار المرافق العامة.
ويعاني السودان من عجز متزايد في إمدادات الكهرباء، خاصة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة التي تصل إلى 44 درجة مئوية في شمال ووسط وشرق البلاد. ورغم أن بعض المدن السودانية في الشمال تحصل على الكهرباء من مصر بموجب اتفاقيات سابقة، إلا أن بقية المناطق تخضع لبرمجة القطوعات التي تنتهجها الحكومة لترشيد الاستهلاك ومواجهة الأعطال المتكررة في الشبكات.
وكشف تقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم الكارثة التي لحقت بقطاع الكهرباء في السودان، حيث بلغت الخسائر نحو ثلاثة مليارات دولار نتيجة الدمار الذي أصاب شبكات التوليد والنقل خلال الحرب. هذا الانهيار دفع آلاف الأسر والمتاجر وشركات الاتصالات إلى الاعتماد بشكل متزايد على الطاقة الشمسية، رغم ارتفاع أسعارها وتحديات الاستيراد.
وقال ان السودان يمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم،ما يجعله مؤهلاً لإنتاج 15 غيغاواط من الطاقة الشمسية و1.5 غيغاواط من طاقة الرياح. لكن الواقع الميداني مختلف،إذ لم تتجاوز القدرة المركبة للطاقة الشمسية حتى عام 2025 نحو 190 ميغاواط فقط، فيما تعثرت خطط الحكومة السابقة لإنتاج 3300 ميغاواط بحلول 2033 بسبب نقص التمويل والحرب.
التقرير أشار إلى أن واردات الألواح الشمسية ارتفعت بشكل ملحوظ خلال عامي 2024 و2025، مع اعتماد متزايد على هذه التقنية في الخرطوم وكردفان ودارفور، بينما بقيت نسب الاستخدام أقل في شرق ووسط السودان، ومع ذلك،فإن جميع مكونات أنظمة الطاقة الشمسية تُستورد من الخارج، ما يجعل القطاع عرضة لتقلبات سعر الصرف ونقص العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف النقل.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي شدد على أن التمويل يمثل العقبة الأكبر أمام انتشار الطاقة الشمسية،إذ تتراوح فوائد القروض بين 20% و35% مع فترات سداد قصيرة،داعياً الحكومة والشركاء الدوليين إلى دعم سلاسل الإمداد،وتوسيع التمويل الأصغر،وتطوير سياسات للطاقة المتجددة باعتبارها أحد أهم أدوات التعافي الاقتصادي في السودان.
