سرديات

الزاكي عبد الحميد أحمد يكتب..

 

لا…

اللوحة لم تعجبني..دلالاتُها الفجة نفّرتني عنها..الفنان الاسباني لم ينصف الحاكم المسلم، فبتصويره له في حصان اسود، وفي ملابس سوداء، في مواجهة الملكة المسيحية، في ملابس زاهية وفي حصان ابيض، دس الفنان في لوحته؛ دلالات سالبة، لا تفوت على من شاهد اللوحة وفسرها فنيا بتجرد، على خلفية قراءته لتاريخ تلك الفترة…

 

هذا الروائي البريطاني/الأمريكي *سلمان رشدي،* المثير للجدل في الاوساط الاسلامية، بكتاباته السالبة عن الاسلام؛ معلقاً على لوحة *استسلام غرناطة*

The Surrender of Granada

الموجودة في قاعة المؤتمرات في العاصمة الاسبانية مدريد..

 

لوحة “استسلام غرناطة” لفرانسيسكو براديلا أورتيس تصور آخر ملوك غرناطة، بشكل سالب مقارنة بالملوك الكاثوليك، إيزابيلا وفرديناند.

 

نرى أن الفنان يظهر في لوحته، الحاكم المسلم، في ملابس سوداء (لا تليق بأبهة ملوك ذلك العصر) ويمتطي حصاناً أسود، بينما أظهر القادة المسيحيين في ملابس زاهية مع إيزابيلا على حصان أبيض. في ظني هذه محاولة متعمدة للتأكيد على تفوق الفاتحين المسيحيين…اللون الأبيض في مقابل اللون الأسود والجانب الأيمن من اللوحة (ومن يوجد فيه) في مواجهة الجانب الأيسر، كلها دلالات سالبة لا تفوت على من يعرفون تفاصيل تلك الحقبة من التاريخ ..

 

إن وضع القادة المسيحيين على يمين اللوحة، ووضع موكب الحاكم المسلم على اليسار، يخلق شعوراً بالتمييز ويعزز القوالب النمطية السلبية ويسهم في تشكيل رؤية متحيزة للتاريخ الإسلامي..

 

هكذا قال صاحب الآيات الشيطانية..

 

*Cry like a woman over a kingdom you could not defend as a man!*

 

*أبكِ كالنساء مُلكاً لم تحافظ عليه كالرجال..*

 

ينسب القول، على حد زعم بعض مؤرخي العصر الأندلسي، لعائشة الحرة؛ والدة آخر ملوك الأندلس؛ حين وبّخت ابنها الملك؛ على توقيعه على الاتفاق بهزيمته أمام ملك اسبانيا فريدناند وزوجته الملكة ايزابيلا وتسليمهما مفاتيح الإمارة..عقب توقيعه على الاتفاق القاضي بهزيمته؛ اتجه الملك المهزوم إلى ممر يقع خلف قصره-عُرف لاحقا باسم *ممر العربي الأخير* The Moor’s Last Pass-واطلق زفرات حرّى وهو يلقي نظرته الأخيرة على مدينته قبل أن يجهش بالبكاء على فردوسه المفقود..لم تحتمل عائشة الحرَّة هذا المشهد المزري فوبَّخت ابنها على النحو الذي اورده المؤرخون..

 

غير أن مؤرخين وكتّاب آخرين يدحضون هذا القول ومنهم الروائي البريطاني من اصول هندية *سلمان رشدي*؛ فيما يذهب فريق ثالث من المؤرخين إلى أن المقولة التاريخية تنسب ل *انطونيو جيفارا*؛ الاب الروحي لفكرة تفوق العنصر الاوروبي على الإثنيات الأخرى والذي كان أيضاً من غلاة المطالبين بضرورة تطهير اسبانيا من المسلمين وغيرهم من غير المسيحيين..ويقول هذا الفريق إن الرجلَ أطلق قولتَه تلك؛ لكي يذلَّ بها ملك المسلمين ويحطَّ بها من قدره أمام رعيته..

 

أجرت مطبوعة ملحق تايمز الأدبي

Times Literary Supplement

لقاءّ مع *سلمان رشدي* في أعقاب صدور روايته الموسومة *زفرة العربي الأخيرة* The Moor’s Last Sigh عام ١٩٩٥..

 

تحدث رشدي في اللقاء عن روايته التي استقى فكرتها من تاريخ الأندلس في سنوات تضعضع حكم المسلمين قبيل انهيار مملكتهم وعقب سقوطها..

 

جعل رشدي في روايته ابو عبد الله Aboabdil راوياً للأحداث كما شهدها بنفسه وأسماه Zoghbi ويعني بلغة أهل غرناطة الرجل الشؤم..

 

شكك رشدي خلال حديثه للصحيفة البريطانية؛ والتي ظلت تستكتب منذ صدورها عام ١٩٠٢؛ الأعلام في مجال الأدب والفنون ك *تي اس اليوت وفرجينيا وولف* وآخرين كثر ؛ في القول المنسوب لعائشة الحرة: *أبكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال*..

 

“أشك كثيرا في صحة هذا القول المنسوب لعائشة الحرة. الملكة عائشة لم توبّخ ابنَها كما يقول كثيرٌ من مؤرخي العصر الأندلسي. فابنُها حين وُلد كانت غرناطة؛ وهي آخر إمارة عربية في الاندلس، تلفظ انفاسَها الأخيرة من الحصار المضروب عليها من الملك فرديناند وزوجته الملكة ازابيلا..الأميرة عائشة الحرة كانت على علم بحالة الضعف التي اعترت الامارة العربية بسبب الخلافات الأسرية والأطماع الشخصية؛ لذلك حين كتبت روايتي “زفرة العربي الأخيرة” جعلت الراوي فيها شخصية استثنائية؛ يهرم جسدها باضعاف المعدل الطبيعي للبشر؛ حتى يكون شاهداً على مآلات الأمور عبر العصور ثم يروي تاريخ الأندلس تحت الحكم العربي وتضعضعه”..

 

أسمى رشدي الراوي ” زغبي؛ اي الرجل الشؤم”” في اشارة لأبي عبد الله الصغير El Chico آخر الحكام العرب في الأندلس..

 

زار رشدي اسبانيا عدة مرات قبل ان يبدأ في كتابة روايته؛ وأكثر ما ادهشه في زياراته تلك؛ كما قال؛ *كان مسجد/كاتدرائية قرطبة* الذي وصفه بالمثال الأروع للهندسية المعمارية في أبهى صورها..وقال: يقف هذا الفن المعماري الجميل خير شاهد على الحلقة الأخيرة من حلقات *الحروب الصليبية*..

 

*عبد الرحمن الداخل* الملقب ب *صقر قريش* مؤسس الحكم العربي في الأندلس هو من أنشأ *مسجد قرطبة* والذي استغرق انشاؤه عدة سنوات؛ حيث تعاقب على انشائه بعد رحيل صقر قريش خلفاؤه الذين الحقوا بالمسجد مرافق تعليمية عدة لشتى ضروب المعرفة، واضافوا إليه لمسات جمالية من فن المعمار حتى صار قبلة للأنظار..

 

ويعتبر المسجد من عجائب فن المعمار الاسلامي ويضعه بعض المؤرخين في فئة المساجد الأشهر حول العالم مع الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى والمسجد الأموي في دمشق والجامع الأزرق في اسطنبول..

 

ولكن في التاسع والعشرين من يونيو من عام ١٢٣٦؛ بعد هزيمة عبد الله الصغير وخروجه من المدينة؛ صعد الملك فرديناند إلى مئذنة المسجد ووضع فوقها الصليب ايذانا بتحويل المسجد الى كاتدرائية وإسكات الأذان ووأد تاريخ العرب في الأندلس في قاع سحيق..!

 

في اكتوبر ١٩٧٣ أعلنت الدول العربية المصدرة للنفط-اوابك- وهي الدول العربية الاعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط-اوبك-بالاضافة إلى مصر وسوريا، حظراً نفطياً لدفع الدول الغربية لاجبار اسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب ١٩٦٧. واعلنت هذه الدول انها ستوقف امدادات النفط إلى أمريكا وكل الدول المؤيدة لاسرائيل..

 

*اسبانيا* لم تكن من هذه الدول المؤيدة لاسرائيل لانها التزمت الحياد..

 

والحياد في القاموس السياسي الاسباني معروف منذ زمن بعيد. ففي عام ١٩٣٩ مع اندلاع الحرب الكونية الثانية التزم ديكتاتور اسبانيا *فراسيسكو فرانكو* الحياد رغم الضغوط التي مارسها عليه صديقاه *هتلر* النازي و *موسيليني*؛ ديكتاتور ايطاليا الفاشي..والتزم الديكتاتور الاسباني الحياد للحد الذي اغضب *هتلر* وجعله يطلق مقولته المشهورة:

*ان تُقتَلع أضراسي كلُّها أسهل عندي من أن أقضي المزيد من الوقت في اقناع هذا الاسباني الجاحد!.*

 

I would rather have my teeth pulled out than to spend more time with this ungrateful Spaniard..

 

وجراء هذا الحياد الاسباني خلال حرب النفط العربي؛ وجّه الرئيس العراقي *أحمد حسن البكر* ناقلة النفط (عين صالح) لتسليم ٣٥ ألف طن من الوقود لفرانكو، لمساعدة بلاده على الخروج من الضائقة الاقتصادية الخانقة. ووصلت الناقلة مرفأ قرطاجنة في مطلع عام ١٩٧٤..

 

تجاه هذا الكرم العربي وجّه *الجنرال فرانكو* دعوة للرئيس العراقي *أحمد حسن البكر* لزيارة اسبانيا..

 

قبل العراق الدعوة واناب الرئيس العراقي نائبه *صدام حسين* للقيام بالزيارة فوصل الأخير مدريد خلال عام ١٩٧٤ على رأس وفد رفيع المستوى واشتمل برنامج زيارته على تعزيز العلائق التجارية بين البلدين..

 

اولَمَ *الملك فرانكو* للضيف العراقي ووفده المرافق، ثم عرض عليه أن يأخذه في جولة حول مدينة مدريد؛ ليشاهدَ معالمها؛ فطلب *صدام* أن يزورَ أولاً *جامع قرطبة* وكان قد تحول الى كاتدرائية بعد ان اضاع العرب حكمهم، قبل ما يزيد على ستمائة سنة..فكان له ما أراد..

 

وذكرت الصحف العراقية أن *صدام* كان أول زعيم عربي يرفع الأذان في *مسجد قرطبة* بعد خروج العرب من الأندلس قبل أكثر من ستة قرون..

 

ظل صدام يتجول في أركان المسجد لفترة طويلة وكأنه يسائل جدرانه عن الفردوس العربي المفقود..عن تاريخ عربي طًمس!..عن اقتتال عربي بين ابناء العمومة أدى إلى تغييب صفحة الوجود العربي المستنير من سجل تاريخ العصر الاندلسي! عن مَن صادر حنجرة الأذان من مئذنته!

 

الأسئلة التي كانت تمور في داخله دفعته لأن يطلب من أحد مرافقيه أن يرفع الأذان حين آن وقت صلاة الظهر..

 

رفع الأذان من المئذنة بصوت جهور.. نزل المؤذن ليجد الجدران لا تزال تردد صدى الأذان..حالة من الوجوم تعتري الجميع … مسؤول البرتوكول الاسباني يقترب من صدام ويقول له : سيدي، هذه أول مرة نسمع فيها صوت *الله أكبر* منذ سقوط قباب مملكة الاندلس الاسلامية قبل عدة قرون…غادر صدام مسجد قرطبة ولسان حاله يردد بحزن دفين؛ إلى متى يظل الأذان مخنوقا في هذا المسجد؛ الذي ظلت *لبنى وصويحباتها* ينسخن في رواقه، المصحف الشريف باليد بالخط الكوفي، ويوزعنه للعابدين لانعدام المطابع في ذلك العصر..كم نسخة من المصحف الشريف يا ترى كتبتها *لبنى* وصويحباتُها بأيديهن المباركات؟

 

ذكرت بعض التقارير ان نسخا من هذا المصحف المكتوب بخط اليد موجودة في متاحف اسبانيا وبعضها في متاحف مغربية..اطلع البروف عبد الله الطيب على نسخة منها أيام كان في المغرب كما ذكر رحمه الله خلال احدى محاضراته هناك…

 

بعد ان غادر صدام باحة المسجد لفت نظره نصب عال على مقربة من المسجد فتوقف لمشاهدته..

 

ما شاهده كان ما يعرف ب *نصب العاشقين*:

Monument To Lovers

 

وقرأ صدام ابياتاً من الشعر منحوتةً في اعلى النصب بالعربية:

 

*اغار عليك من عيني ومني..*

*ومنك ومن زمانك والمكان..*

*ولو أني خبأتك في عيوني..*

*إلى يوم القيامة ما كفاني…*

 

I fear for you, my beloved so much..

From even my own sight..

Even the ground you tread,

Even the hours that pass,

Threaten to snatch you away from me;

Even if I were able to conceal you within the pupils of my eyes and hide you there;

Until the Day of Judgement

My fear would still not be allayed

 

والأبيات للاميرة الاندلسية الحسناء *ولاّدة بنت المستكفي بالله* تخاطب بها عشيقها الشاعر *ابن زيدون..* وترجمت من الاسبانية إلى الانجليزية باختيار أبيات من القصيدة دون التقيد بالأبيات الموجودة في النص العربي في لوحة النصب..

 

وفي اسفل النصب كانت أبيات يرد بها *ابن زيدون* على عشيقته:

 

*يا من غدوتُ به في الناس مشتهرا..*

*قلبي يقاسي عليكم الهمَّ والفكرا..*

*يا مِن غبتِ لم ألق انسانا يؤانسني..*

*وإن حضرتِ فكل الناس قد حضرا..*

 

Your love has made me famous,

Among high and low,

Your face devours my feelings and thoughts.

If you are absent I cannot be consoled,

But when you appear all my troubles fly away..

ونُحِتتْ على قمة النصب كفّان مُدّتا نحو بعض دون ان تتلامسا في إشارة موحية إلى حب لم يثمر…

 

يقال إن *الجنرال فرانكو* حين اطلع على الاشعار المترجمة للعاشقين؛ امر ببناء هذا الصرح التذكاري تخليدا لهذا الحب الذي لم يتوّج بزواج بسبب الغَيْرَة التي تأكّلتْ الأميرة الحسناء بسبب جارية لها تدعى *مهجة* ..شاهدت الأميرة عشيقَها يغازل مهجة ذات مرة فكانت القطيعة التي فرقت بين العشيقين وخلدت حبهما شعراً..

 

في عام ١٩٩٦ قررت *منظمة اليونسكو* ادراج *نصب العاشقين* ضمن برنامج التراث الانساني الذي ترعاه.. أي خلال أسابيع من صدور رواية سلمان رشدي:

*زفرة العربي الأخيرة*

The Moor’s Last Sigh..

 

في لقائه مع الصحيفة البريطانية قال رشدي إن قيام الجنرال فرانكو برفع الصليب على رأس مئذنة مسجد قرطبة كان آخر حلقة من حلقات الحروب الصليبية ولكنه أشار في نفس اللقاء إلى تصريح ينسب للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن قال فيه إن غزو القوات الأمريكية للعراق رُدِّدت خلاله أصداء الحروب الصليبية..

 

كأننا بالكاتب الروائي البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي؛ المثير للجدل؛ يريد ان يسوق القاريء إلى رابط خفي بين الأذان الذي رفعه صدام في مسجد قرطبة والتصريح المنسوب للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن!..

هل ثمة رابط بين الأذان الذي رفعه صدام والتصريح المنسوب لبوش كما يشير إليه رشدي ضمنياً أم ترى أن الكاتب ذهب بعيدا بتلميحاته ليثير بها المزيد من الجدل حول كتاباته..؟ ثم هل يمكن فهم مغازي كلمة “العلوج”-وتعني الكفار فيما تعني- والتي كان يرددها الصحاف في كل مؤتمراته الصحفية آنئذ واصفا بها الغزاة؛ في سياق ما يسوِّق له مؤلف رواية “زفرة العربي الأخيرة” من فرضيات؟