
الخرطوم.. حلم العودة ومقصلة الغلاء
الخرطوم ، الغد. السوداني – أمين محمد الأمين
تشهد العاصمة الخرطوم تحولاً ديموغرافياً واقتصادياً متسارعاً مع تدفق آلاف المواطنين يومياً إلى ديارهم؛ عودةٌ تحمل في طياتها “بشرى الاستقرار” الأمني، لكنها تفتح في الوقت ذاته جبهة مواجهة جديدة مع واقع معيشي مثقل بالتضخم وتعطل الإنتاج. وبينما تسارع السلطات لتجهيز المرافئ البرية لاستقبال العائدين، تبرز التساؤلات حول مدى قدرة البنية التحتية والأسواق المحلية على استيعاب هذه الكتلة البشرية في ظل “اقتصاد الندرة” وتحديات الخدمات الأساسية.
عودة المواطنين
وكانت لجنة تنسيق شؤون أمن محلية الخرطوم قد كشفت عن ازدياد كبير في معدلات عودة المواطنين للعاصمة من دول المهجر والولايات، بمتوسط وصول يبلغ 100 بص سفري يومياً، وعزت اللجنة هذه العودة إلى استقرار الوضع الأمني وتحسن الخدمات الأساسية.
واقع معيشي
واعتبر المواطن عز الدين أحمد، أحد سكان العاصمة الخرطوم، أن تزايد معدلات عودة السكان يمثل سلاحاً ذو حدين؛ فبينما تمنح العودة قبلة الحياة للاقتصاد المحلي عبر تنشيط المشاريع الصغيرة، إلا أنها تصطدم بواقع معيشي معقد يتصدره غلاء الأسعار وتوقف عجلة الإنتاج. وأشار أحمد إلى أن غياب المستثمرين وأصحاب الشركات الكبرى، الذين كانوا يستوعبون نحو 60% من العمالة، يضع العائدين أمام تحدٍ مصيري في كيفية كسب لقمة العيش.
تحديات معيشية
وعدد المواطن عز الدين العوائق التي تواجه المواطن العائد، وفي مقدمتها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي في أغلب الأحياء وغياب البدائل، فضلاً عن القفزات اليومية في أسعار المواد الغذائية والمحروقات وغاز الطبخ. وانتقد أحمد القرارات الاقتصادية الأخيرة المتعلقة بحظر استيراد بعض السلع الأساسية مثل “الأرز”، مؤكداً أنه أصبح الغذاء الرئيسي للكادحين خلال فترة الحرب، وأن مثل هذه القرارات تزيد من معاناة الأسر.
أدوار حكومية
وشدد عز الدين على ضرورة توفير الخدمات الأساسية وتأمين المناطق وإصحاح البيئة، إلى جانب تهيئة المرافق الطبية وتوفير الدواء. وطالب بضرورة مراجعة أسعار المحروقات وتفعيل الرقابة الصارمة على الأسواق لحماية المستهلك من الجشع، محذراً من أن عدم توفير الخدمات قد يحول العودة البشرية الكبيرة إلى أزمة ضاغطة على الموارد المحدودة.
إحياء صناعي
وفي رؤيته لتقييم الوضع الراهن، يرى عز الدين أن هناك تحسناً نسبياً مقارنة ببدايات الحرب، لكن التقويم الحقيقي يبدأ “عندما تسكت البنادق”. واقترح خارطة طريق للتعافي تشمل تقديم إعفاءات جمركية لـ 90% من المصانع المتوقفة، والتركيز على “الصناعات التحويلية” مثل معاصر الزيوت ومطاحن الغلال لتقليل الاستيراد وخلق فرص عمل، بالإضافة إلى تفعيل “الزراعة التعاقدية” لضمان حقوق المزارعين وتحقيق الأمن الغذائي
اعتلال اقتصادي
ورسم الخبير الأكاديمي، البروفيسور عصام الدين عبد الوهاب بوب، صورة قاتمة للأوضاع الاقتصادية والخدمية التي تواجه المواطنين العائدين إلى العاصمة الخرطوم. ووصف بوب حالة الاقتصاد الراهنة بمصطلح “الاعتلال الاقتصادي” (Economic Entropy)، محذراً من أن العودة تتم إلى مدينة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، في ظل تضخم جامح وغلاء أسعار لا يرحم، وسط ما أسماه “تخبطاً حكومياً” يفتقر لخطط العمل الواضحة.
انفلات قيمي
وأكد البروفيسور بوب أن الأزمة لا تتوقف عند حدود التفلتات الأمنية أو التدهور المعيشي فحسب، بل تمتد إلى “انهيار المنظومة الأخلاقية” الذي صاحب الانهيار الاقتصادي. وأشار إلى أن الوقت ليس في صالح البلاد، محذراً من أن استمرار حالة الفوضى الراهنة يمثل “خميرة لكارثة كبرى” قد تفوق في آثارها المدمرة كل الأزمات السابقة التي مرت بها البلاد.
القيادة الميدانية
وشدد بوب على ضرورة وجود قيادة إدارية منظمة تمتلك الخبرة والمعرفة العميقة بتفاصيل الأزمة والمواطن، بعيداً عن المظاهر الباذخة. وقال: “لا نريد مسؤولاً ينزل من سيارات فارهة وبدلات مستوردة، بل نريد من عانى الحرب ورأى الموت وذاق طعم الجوع والعطش مع شعبه؛ قائداً يصدم الأزمات ويفهم مبادئ الاقتصاد الحقيقي لانتشال البلاد من عثرتها”.
مسؤولية الدولة
واختتم الخبير الأكاديمي إفادته بالتأكيد على أن التحديات الجسام التي تواجه العائدين لا ينبغي أن يتحملها المواطن بمفرده، بل هي مسؤولية مباشرة تقع على عاتق الحكومة وسلطاتها والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية. ودعا إلى ضرورة التحرك السريع لضبط المشهد، معتبراً أن غياب الرؤية الإدارية الواضحة هو المحرك الأساسي لحالة “الاعتلال” التي تضرب مفاصل الدولة.
العودة
تبقى “العودة” إلى الخرطوم برهاناً على حيوية الشعب السوداني وتمسكه بالحياة، إلا أن تحويل هذه العودة من “عبء ديموغرافي” إلى “رافعة اقتصادية” يتطلب معالجات تتجاوز التدابير الأمنية التقليدية. إن فك ارتهان معاش الناس من قبضة التضخم والسوق الموازي، وإعادة الروح للقطاع الصناعي، هي الضمانات الوحيدة لكي لا تصبح العودة مجرد “محطة عابرة” في انتظار رحيل جديد. فهل تملك الحكومة الإرادة السياسية لإدارة هذا “الاعتلال الاقتصادي” قبل فوات الأوان.
