هرمز يربك حسابات الطاقة.. هل يتحول السودان إلى “منفذ بديل” لنفط الخليج؟!

الخرطوم ، الغد السوداني ، أمين محمد الأمين – أكد خبراء في الاقتصاد والعلاقات الدولية أن تذبذب حركة الملاحة في مضيق هرمز يضع الأمن الغذائي والإنتاجي في السودان على المحك، موضحين أن أي اضطراب في هذا الشريان العالمي ينعكس مباشرة على كلفة النقل والزراعة والمعاش اليومي. وأشار الخبراء إلى أن الأزمة الحالية، رغم تعقيداتها، تفتح “نافذة فرص” استراتيجية للسودان ليكون ممرًا بديلًا ومركزًا لوجستيًا يربط نفط الخليج بالعمق الأفريقي وصولاً إلى المحيط الأطلسي، مشددين على ضرورة تأمين إمدادات مستدامة عبر تفاهمات إقليمية عاجلة

 

مضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز، الذي يفصل بين مياه الخليج العربي وخليج عمان، أهم ممر مائي في العالم لنقل النفط. تاريخياً، ظل المضيق نقطة ارتكاز في الصراعات الدولية؛ فمنذ “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي وحتى التوترات الراهنة، كان التهديد بإغلاقه يمثل “الورقة الرابحة” في أي صراع إقليمي.

تكمن أهميته الفائقة في كونه الممر الوحيد الذي يربط منتجي النفط في الخليج بالأسواق العالمية في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وتمر عبر هذا المضيق الضيق، الذي لا يتجاوز عرض ممره الملاحي ميلين بحريين في كل اتجاه، نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يومياً، ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية.

 

عدم يقين

في قراءته للمشهد الراهن، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فاتح عثمان محمود، أن أسعار النفط العالمية تعيش حالة من “التأرجح الحاد” مدفوعة بمناخ من عدم اليقين؛ حيث سجلت الأسعار انخفاضاً ملحوظاً بمقدار 13 دولاراً للبرميل مطلع الأسبوع، قبل أن تعاود الارتفاع بمقدار 4 دولارات في تعاملات يوم الجمعة الماضي.

ويؤكد د. فاتح عثمان أن استدامة استقرار الأسعار تظل رهينة بالتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، فدون ذلك ستظل احتمالات إغلاق “مضيق هرمز” قائمة كعامل ضغط رئيسي ومؤثر مباشر؛ نظراً لثقله الاستراتيجي كالمحور الأضخم المتحكم في اتجاهات السوق العالمية.

 

واقع معقد

تنعكس هذه الاضطرابات بشكل مباشر على الداخل السوداني؛ إذ يوضح د. فاتح عثمان أن حالة التذبذب العالمي تفرض واقعاً معقداً على السوق المحلية. ويشير إلى أنه يصعب على السلطات السودانية اتخاذ قرارات بتخفيض أسعار الوقود محلياً في غياب هبوط واضح ومؤكد ومستدام في الأسواق العالمية.

ويجزم الخبير الاقتصادي بأن أي تراجع طفيف ومؤقت في الأسعار العالمية لن يكون كافياً لإحداث تغيير في تسعيرة المحروقات بالداخل السوداني، ما لم يستقر السوق العالمي على مسار نزولي ثابت، مما يضع المستهلك السوداني في حالة ترقب مستمر لما ستسفر عنه الأوضاع عند “بوابة هرمز”.

 

تحديات جسيمة

إلى ذلك تذهب الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، الدكتورة سهير أحمد صلاح، إلى أن فتح أو إغلاق مضيق هرمز يلقي بظلاله المباشرة وغير المباشرة على السودان كجزء لا يتجزأ من المنظومة الاقتصادية العالمية؛ و أكدت بأن التأثير المباشر يبرز في تذبذب أسعار الوقود، ما يضع قطاعات النقل، الطاقة، الزراعة، والصناعة أمام تحديات جسيمة، تنعكس بدورها على تكلفة السلع والخدمات التي تمس حياة المواطن اليومية، وتضغط على مفاصل الاقتصاد الكلي للدولة التي تعيش حالة حرب استثنائية.

 

موجة إرتفاع

وعلى صعيد التأثيرات غير المباشرة، تحذر د. سهير من موجة ارتفاع مرتقبة في أسعار كافة الواردات، بدءاً من المواد الغذائية والكساء، وصولاً إلى مدخلات الإنتاج الصناعي والزراعي ومواد إعادة إعمار البنية التحتية. وترى أن مواجهة هذه التداعيات تتطلب تحركاً دبلوماسياً واقتصادياً استراتيجياً، عبر توقيع تفاهمات مع الجار الأقرب ومنتج النفط الأكبر، المملكة العربية السعودية، لتأمين إمدادات مستدامة من النفط والغاز تضمن استقرار السوق المحلي.

 

فرص للسودانيين

وفي زاوية تحليلية لافتة، تشير د. سهير إلى أن أزمة إغلاق المضيق قد تفتح “نافذة فرص” للسودان؛ فالموقع الجغرافي المتميز على البحر الأحمر يؤهله ليكون مركزاً لوجستياً عالمياً لتوسيع الموانئ، وتحويله إلى معبر رئيسي يتدفق عبره نفط الخليج نحو العمق الأفريقي وصولاً إلى المحيط الأطلسي وأوروبا. وتدعو د. سهير الدول الأفريقية ودول غرب أوروبا لتبني استراتيجية لمد طرق برية من “بورتسودان” إلى موانئ غرب أفريقيا، مما يجعل السودان ركيزة أساسية في أمن الطاقة العالمي.

 

أمن جماعي

وتختم د. سهير إفادتها بتأكيد أن أي تهديد يمس سلاسل الإمداد في أي بقعة من العالم، هو في جوهره تهديد مباشر لأمن وكرامة المواطنين في كافة الدول، مما يستوجب تفكيراً استراتيجياً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو رؤى تكاملية شاملة.

 

آفاق المستقبل

ختاماً، يظل السودان رهيناً لتقلبات “بوابة هرمز” ما لم تتحول التهديدات الجيوسياسية إلى فرص حقيقية عبر رؤية تنموية شاملة؛ فبين مطرقة أسعار النفط وسندان سلاسل الإمداد، تبرز الحاجة الملحّة لتعزيز الروابط الإقليمية وتحويل الساحل السوداني من مجرد مستلم للآثار إلى فاعل أساسي في خارطة الطاقة العالمية، لضمان استقرار المعاش وحماية السيادة الاقتصادية.