البرهان وإعادة تشكيل مجلس أركانه.. ما وراء الخبر قراءة تحليلية

نبض قلم

عادل تاج الدين جار النبي يكتب..

في السودان، لا تمرّ قرارات المؤسسة العسكرية مرورًا عابرًا، خصوصًا في زمن الحرب. فكل خطوة تُقرأ بما وراءها، وكل تغيير يُفكك في سياقه السياسي والعسكري معًا. ومن هذا المنظور، تبدو إعادة تشكيل مجلس أركان الجيش التي أقدم عليها الفريق أول عبد الفتاح البرهان أكثر من مجرد إجراء تنظيمي؛ إنها رسالة متعددة الاتجاهات، تحمل دلالات تتجاوز حدود المؤسسة إلى فضاء الدولة بأكملها.

في ظاهرها، قد تبدو الخطوة استجابة طبيعية لمتطلبات الحرب، حيث تفرض المعارك الطويلة مراجعات مستمرة لبنية القيادة، وتستدعي إعادة توزيع الأدوار وفقًا لمتغيرات الميدان. فالقيادة العسكرية، في مثل هذه الظروف، لا تملك رفاهية الثبات، بل تحتاج إلى قدر من المرونة يسمح لها بتصحيح المسار وتعزيز الفعالية القتالية.

لكن في عمقها، تعكس هذه الخطوة إدراكًا متزايدًا بأن المعركة لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل أصبحت أيضًا اختبارًا لقدرة المؤسسة على إعادة ترتيب نفسها من الداخل. فالحروب لا تُحسم فقط في خطوط النار، بل في غرف القيادة، حيث تُصاغ القرارات وتُدار التوازنات الدقيقة بين القيادات.

ومن هنا، يمكن قراءة إعادة تشكيل مجلس الأركان كجزء من محاولة إعادة ضبط مركز القرار داخل الجيش، خاصة بعد فترة كشفت عن تفاوت في الأداء، وربما تباين في الرؤى بين بعض المستويات القيادية. وهي أيضًا، في جانب منها، محاولة لإعادة بناء الانسجام داخل المؤسسة، بما يضمن وحدة الاتجاه في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق.

غير أن البعد العسكري ليس وحده الحاضر في هذه الخطوة. فالجيش السوداني، بحكم موقعه في قلب الأزمة، بات لاعبًا سياسيًا بامتياز. وعليه، فإن أي إعادة ترتيب داخل قيادته تحمل، بالضرورة، انعكاسات على موازين القوة داخل الدولة. فإعادة تشكيل مجلس الأركان قد تعني، ضمنًا، إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة، وربما إعادة تعريف للعلاقات التي تشكلت عبر السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة العلاقة بين الجيش والتيارات السياسية، وعلى رأسها التيار الإسلامي، كأحد المفاتيح المهمة لفهم ما يجري. فهذه العلاقة، التي اتسمت بالتعقيد والتداخل، تبدو اليوم أمام محاولة إعادة ضبط، سواء عبر تقليص نفوذ بعض الدوائر، أو إعادة إدماجها ضمن إطار أكثر انضباطًا، يحدّ من تأثيرها خارج المؤسسة الرسمية.

على المستوى الخارجي، لا تقل الرسائل وضوحًا. فإعادة تشكيل مجلس الأركان تُقرأ أيضًا في عواصم الإقليم والعالم باعتبارها مؤشرًا على اتجاهات القيادة العسكرية في السودان. وهي، في أحد وجوهها، محاولة لتقديم صورة أكثر تماسكًا واحترافية، تعزز من موقع الجيش في أي مسار تفاوضي محتمل، أو في ترتيبات ما بعد الحرب.

كما أن هذه الخطوة قد تعكس تحولًا في طريقة إدارة العمليات العسكرية نفسها. فطبيعة الحرب الحالية، بما فيها من تعقيدات ميدانية واتساع جغرافي، تتطلب قيادات تمتلك خبرات نوعية في مجالات متعددة، من حرب المدن إلى الإمداد واللوجستيات. وبالتالي، فإن إعادة التشكيل قد تكون جزءًا من إعادة صياغة الاستراتيجية العسكرية، وليس مجرد تغيير في الوجوه.

ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه الخطوة بداية لمسار إصلاحي حقيقي داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها مجرد إعادة تموضع تفرضها ضرورات اللحظة؟

الإجابة، في النهاية، لن تحددها القرارات وحدها، بل ما سيتبعها من ممارسات. فالتغيير الحقيقي لا يقاس بتبديل الأسماء، بل بقدرة المؤسسة على إعادة بناء نفسها على أسس مهنية وطنية، تتجاوز الاستقطاب السياسي وتؤسس لدور متوازن في الدولة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو إعادة تشكيل مجلس الأركان حلقة في سلسلة تحولات أعمق يعيشها السودان، حيث تتداخل خطوط الحرب مع خرائط السياسة، ويصبح كل قرار، مهما بدا فنيًا، جزءًا من معركة أكبر على شكل المستقبل