“وين؟”… حين يهرب السودانيون بأجسادهم ويتركون أوطانهم في فناجين القهوة

في لحظةٍ تختلط فيها خرائط الجغرافيا بخرائط الذاكرة، يخرج مشروع “وين؟ | Where” كصرخةٍ بصرية تعيد تعريف الوطن خارج حدوده المادية. ليس مجرد عمل فني رقمي، بل محاولة لالتقاط ذلك الشعور المربك الذي عاشه ملايين السودانيين منذ اندلاع حرب 2023: أن تغادر مكانك، لكن يبقى المكان ساكنًا داخلك.

الفنانة البصرية نهال كمال الدين، خريجة الطب البشري التي اختارت أن تروي الحكاية بالألوان بدل الكلمات والوصفات الطبية الكيميائية، تقدم في مشروعها وين؟ “لوحة ديجيتال آرت بورت” قابلة للطباعة، تحاكي تجربة النزوح بوصفها أكثر من مجرد انتقال جغرافي. إنها، كما تقول، “سؤال عما نتركه خلفنا، لا عما نحمله معنا”.

حين يصبح ما نتركه هو هويتنا

في حديثها لـ”الغد السوداني”، تفكك نهال الصورة النمطية للنزوح باعتباره “حركة” فقط. تقول إن التجربة تبدو للوهلة الأولى وكأنها “أكشن بسيط”، لكن سرعان ما يتحول الأمر إلى مواجهة قاسية مع سؤال: ماذا سنترك خلفنا؟

ذلك “المتروك” — الحوش، الشارع، اللمة، تفاصيل الأيام الصغيرة — هو ما يشكل الهوية الحقيقية. ليس جواز السفر، ولا حقائب السفر، بل تلك التفاصيل التي لا تُحمل.

تضرب مثالًا بسيطًا لكنه عميق: “قعدة الجبنة”. طقس يومي عادي، يمكن تكراره في أي مكان، لكن مذاقه في المنفى مختلف. لأن الطقس لا يُستنسخ دون ذاكرته.

من الغربة إلى النزوح: سيرة شخصية تتحول إلى خطاب بصري

المفارقة أن نهال نفسها عاشت الحرب داخل السودان، وتعيش آثارها. لكنها لم تكن تعيش في السودان، فهي من مواليد السعودية، وعاشت تجربة الاغتراب منذ طفولتها، ما جعلها، كما تقول، في “حالة حنين دائم”.

الإجازات السنوية إلى السودان لم تكن مجرد زيارات، بل طقوس استعادة للهوية: الحوش الكبير، قهوة الجيران، شارع النيل، المتحف القومي السوداني، بيت التراث، وحوش الخليفة… كلها ليست أماكن فقط، بل روابط وجدانية تُعيد تشكيل الانتماء كل مرة.

اليوم، ومع تصاعد النزوح، تعود تلك التفاصيل لتتحول من ذكريات إلى “وطن بديل” — أو على الأقل، محاولة لتعويض غيابه.

الفن كأرشيف للذاكرة الجماعية

بدأت نهال مسيرتها الفنية بشكل جاد في عام 2020، بعد سنوات من الشغف بالجرافيك ديزاين. ومنذ ذلك الحين، شاركت في معارض داخل السودان وخارجه، لكن مشروع “وين؟” يبدو الأكثر التصاقًا بسياق اللحظة.

فالعمل لا يوثق الحرب، بل يوثق أثرها غير المرئي: كيف يتغير تعريف “الوطن” حين يصبح الوصول إليه مستحيلًا؟

كيف تتحول التفاصيل اليومية — التي كانت هامشية — إلى مركز الذاكرة؟

“وين؟”… سؤال مفتوح على جيل كامل

لا يقدم المشروع إجابة جاهزة. بل يترك السؤال معلقًا: أين الوطن؟. هل هو المكان الذي نغادره؟ أم الذي نحمله معنا؟ أم ذلك الذي نحاول إعادة بنائه من الذاكرة؟

في زمن النزوح الجماعي، يبدو أن الإجابة لم تعد واحدة. لكن المؤكد، كما تقول نهال، أن “التعلق بالمكان الأصلي هو ما يخلق الهوية الحقيقية للأشياء”.