فوضى الكتابة الصحفية

الممشى العريض

خالد أبو شيبة

لم تعد أزمة الساحة الإعلامية في ندرة الأقلام كما كان في السابق بل في فيضانها وتمددها وانتشارها بلا معايير فما نشهده اليوم ليس حرية تعبير ولا شيء يمكن أن نطلق عليه صحافة بقدر ما هو فوضى كتابة حيث تحول مقال الرأي إلى مساحة مفتوحة لكل من امتلك حسابٱ وهاتفٱ دون أدنى معرفة بأسس الصياغة أو أخلاقيات المهنة أو حتى ماهية كتابة مادة الرأي.

الكتابة الصحفية كما درسنا ومارسنا ليست خواطر عابرة ولا انطباعات شخصية مزاجية تُنشر على عجل بل هي بناء معرفي متماسك يقوم على خبرة تراكمية وفهم عميق بعد التمرس في كتابة الخبر والحوار والتحقيق والتقرير.. ففي السابق لا تتاح لك فرصة كتابة مادة الرأي ما لم تمضي في الصحف فترة اقلاها خمس سنوات أما الآن فحدث ولا حرج الكل يكتب والكل يدعي انه صحفي وأنه صاحب مقال ورأي فقد خرج علينا جيل “النسخ واللصق” ليزاحم أهل المهنة ويقدم محتوى تافه بكل معنى الكلمة يفتقر إلى الدقة والاتزان ويُغذّي الاستقطاب والإساءة وثقافة الكراهية.

الأخطر أن هؤلاء الجهلاء أصحاب العين القوية لا يكتفون بالكتابة الركيكة بل ينصبون أنفسهم أوصياء على الرأي العام فيطلقون الأحكام بلا مسؤولية ويفتون في القضايا المصيرية بلا معرفة يمارسون التجاوز والخروج الدائم عن النص وعن القيم والاخلاق و المألوف إساءات وشتائم وقلة أدب وحياء ويخلطون بين النقد والتجريح في بيئة رقمية مفتوحة تفتقر للرقابة والمساءلة وهنا تتضرر المهنة مرتين: مرة بتشويه صورتها ومرة بإضعاف ثقة القاري فيها.

إن استمرار هذا الانفلات يعني ببساطة إفراغ الصحافة من مضمونها وقيمتها وتحويلها إلى ضجيج بلا معنى..فالمطلوب كما يقول الدكتور علي شمو ليس مصادرة الآراء بل إعادة الاعتبار للمعايير: تأهيل حقيقي وتحرير مسؤول ومساءلة واضحة لكل من يسيء استخدام المنبر. فالصحافة مهنة لا هواية عابرة ومن لا يملك أدواتها لا يحق له الادعاء بها.. فاللهم احفظ المهنة من الدخلاء الجهلاء “الكيري” الذين شوهوها وجلبوا لها ولنا الإساءة.