من الحرب في السودان إلى صحراء بلا ماء.. تقرير يوثق رحلة المهاجرين نحو “النقطة صفر” بين ليبيا والنيجر

الخرطوم، الغد السوداني – كشف تقرير حديث لمنظمة إنسانية مستقلة عن مأساة متفاقمة يواجهها المهاجرون في الصحراء الكبرى، حيث يُدفع مئات الأشخاص إلى مناطق نائية بين ليبيا والجزائر والنيجر من دون طعام أو ماء، في رحلة محفوفة بالموت عبر مسارات تهريب تمتد مئات الكيلومترات.

وقال تقرير صادر عن شبكة “ألارم فون صحاري” المعنية برصد أوضاع المهاجرين في الصحراء، إن صحراء النيجر أصبحت أحد أخطر ممرات الهجرة في العالم، إذ يواجه العابرون فيها العطش والجوع وخطر الضياع في مساحات شاسعة قد تبتلعهم بلا أثر.

ووفق التقرير، رُحِّل أكثر من 1800 مهاجر خلال فبراير/شباط 2026 إلى ما يعرف بـ“النقطة صفر”، وهي منطقة حدودية صحراوية بين الجزائر والنيجر يُترك فيها المرحَّلون دون حماية أو مساعدات إنسانية.

ويروي التقرير قصة شاب سوداني من ولاية الجزيرة – أُطلق عليه اسم مستعار “نوح” – فرّ من الحرب في السودان عام 2024، ليبدأ رحلة هجرة شاقة عبر ليبيا والجزائر والمغرب والنيجر أملاً في الوصول إلى أوروبا.

ويقول “نوح” إنه عمل لفترة في مدينة الكفرة جنوب شرقي ليبيا قبل انتقاله إلى طرابلس ثم الزنتان، غير أن قلة فرص العمل دفعته لمحاولة العبور نحو الجزائر ومنها إلى المغرب، مقابل نحو 800 دولار دفعها لشبكات التهريب، قبل أن تعيده الإجراءات الحدودية إلى الجزائر ثم يُرحّل مجدداً إلى ليبيا.

ويمتد أحد أهم طرق التهريب في الصحراء الليبية لمسافة تقارب 600 كيلومتر من الحدود الليبية–النيجرية إلى مدينة سبها جنوب غرب ليبيا، وهو الطريق المعروف باسم “طريق القذافي” الذي كان يخضع لحراسة مشددة خلال حكم معمر القذافي قبل أن يتحول بعد عام 2011 إلى ممر رئيسي لشبكات تهريب البشر في ظل ضعف الرقابة الأمنية.

ويقول “نوح” إن رحلته الأخيرة بدأت من مدينة غدامس الليبية قرب الحدود الجزائرية، حيث سار مع أربعة شبان سودانيين أكثر من 20 كيلومتراً عبر الصحراء، قبل أن يتفرقوا لاحقاً داخل الأراضي الجزائرية. وأضاف أنهم فقدوا أموالهم وهواتفهم خلال الرحلة، قبل نقلهم إلى مدينة تمنراست ثم تركهم في المنطقة الحدودية مع النيجر بلا وثائق أو وسائل اتصال.

وأشار إلى أن أكثر من 300 مهاجر سوداني كانوا ضمن المرحَّلين إلى تلك المنطقة، حيث عانى كثير منهم من نقص شديد في الماء والطعام، بينما اضطر هو إلى البقاء أكثر من 15 يوماً في النيجر دون مصدر دخل.

وفي مؤشر جديد على خطورة الطريق، ذكر التقرير أن السلطات الليبية عثرت مؤخراً على 29 جثة لمهاجرين في مقبرة جماعية جنوب شرقي البلاد، ما رفع عدد الجثث المنتشلة خلال الأشهر الأخيرة إلى 57 جثة.

وأثارت عمليات الطرد المتزايدة للمهاجرين انتقادات من منظمات حقوقية، حذّرت من أن النساء والأطفال والمرضى يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية على الحدود الجنوبية، وسط نقص كبير في الغذاء والماء والرعاية الطبية.

وفي سياق متصل، تشير تقارير رسمية جزائرية إلى أن البلاد رحّلت منذ عام 2023 أكثر من 16 ألف مهاجر غير نظامي إلى حدود النيجر، في وقت يتخذ فيه كثير من المهاجرين الجزائر أو ليبيا محطات عبور في طريقهم إلى أوروبا عبر السواحل الإسبانية أو الإيطالية.

ويخلص تقرير “ألارم فون صحاري” إلى أن الصحراء الكبرى أصبحت شاهداً صامتاً على مأساة إنسانية متواصلة، حيث تتحول أحلام الوصول إلى أوروبا إلى معركة يومية للبقاء، قد تنتهي في كثير من الأحيان تحت رمال الصحراء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.