
الدراما السودانية في رمضان 2026: كيف تعكس الشاشة وجع الحرب وتتحول إلى المنصات الرقمية؟
في رمضان 2026، لا تبدو الشاشة السودانية منفصلة عن واقعها. الحرب التي اندلعت في السودان لم تترك مجالاً للفن كي يختبئ في مناطق الحياد؛ بل دفعت الدراما إلى قلب الأسئلة الكبرى: النزوح، الحنين، تبدل المهن، والانكسارات الإنسانية. ورغم الظروف الأمنية والاقتصادية القاسية، تسجّل الدراما السودانية حضورًا لافتًا هذا الموسم، في محاولة لإعادة تعريف دورها بين التوثيق والبوح.
“حنين”… ملحمة إنسانية عن الأرض والهوية
يتصدر المشهد مسلسل حنين، من تأليف أحمد كرغلي وإخراج علي بوطا، وبطولة روبي كمال وأحمد الجقر.
العمل يطرح سؤال الهوية في زمن التشظي، ويعالج تجارب المغتربين السودانيين وعلاقاتهم الإنسانية في ظل ظروف استثنائية. “حنين” ليس مجرد قصة عاطفية، بل سردية عن فقدان المكان ومحاولة استعادته عبر الذاكرة.
يُعرض المسلسل يوميًا خلال رمضان على قناة سودانية 24، مع توقعات بتوافره عبر يوتيوب ومنصات رقمية، في مؤشر واضح على التحول من الشاشة التقليدية إلى الفضاء المفتوح.
خريطة مسلسلات رمضان: واقعية قاسية
إلى جانب “حنين”، تتنوع الأعمال بين الاجتماعي والسياسي:
- ديالا: صراع اجتماعي واقتصادي يعكس تحولات الطبقة الوسطى.
- هروب قسري: واقعية مؤلمة عن النزوح وتفكك الأسر.
- دروب العودة: معالجة لقضايا الهجرة وأحلام الشباب المعلقة.
القاسم المشترك بين هذه الأعمال هو محاولة قراءة الواقع بلا رتوش، حيث تتكاثر مشاهد العنف الرمزي والجسدي، بوصفها انعكاسًا لتحولات المجتمع.
صدمة الحرب… وانفتاح بلا مبررات؟
المخرج طارق خندوقاوي يرى في حديثة لـ«الغد السوداني» أن صدمات الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على النصوص والإخراج، مشيرًا إلى تصاعد حضور العنف وتحوّل الشخصيات من مهن مستقرة إلى أعمال هامشية فرضها الواقع.
كما يتحدث عن “انفتاح أخلاقي” في بعض الأعمال، دون وضوح مبررات درامية كافية، في ظل ضعف النصوص وقلة الورق المكتوب بعناية، إلى جانب مشكلات الإنتاج.
التحول الأبرز، بحسبه، هو انتقال الجمهور – خصوصًا الشباب – إلى المنصات الرقمية مثل يوتيوب وفيسبوك وتيك توك، ما قلّص تأثير العرض التلفزيوني التقليدي.
“أعمال لإثبات الوجود”؟
من جهته، يصف الممثل عوض شكسبير لـ«الغد السوداني» دراما رمضان هذا العام بأنها “أعمال موجودة فقط لإثبات الوجود أو المكسب السياسي”، معتبرًا أن الاستقرار والحرية عنصران أساسيان لازدهار الإبداع.
ويشير إلى أن الحرب أثرت نفسيًا على الفنانين، وأبعدت كثيرين عن المجال، في وقت تعاني فيه الساحة من قلة الممثلين المحترفين، ما يضعف خيارات المخرجين.
المنصات الرقمية… طوق نجاة أم بديل مؤقت؟
في ظل تراجع البث الأرضي وضعف الإمكانات، تعتمد الدراما السودانية في رمضان 2026 بشكل كبير على المنصات الرقمية. يوتيوب لم يعد مجرد وسيلة عرض، بل مساحة تفاعل ونقد مباشر، تتيح وصول الأعمال إلى جمهور الشتات السوداني حول العالم.
كما برز الاهتمام بالأفلام الوثائقية القصيرة والمسلسلات محدودة الحلقات، التي توازن بين التعبير الفني وكلفة الإنتاج المحدودة، محاولةً مواكبة واقع اقتصادي مأزوم.
دراما على حافة الواقع
في المحصلة، تبدو الدراما السودانية في رمضان 2026 أقرب إلى مرآة مشروخة تعكس واقعًا مضطربًا. هي ليست دراما للترفيه الخالص، بل مساحة مساءلة ومقاومة رمزية.
بين وجع الحرب والانفتاح الرقمي، تحاول الشاشة السودانية أن تثبت أنها ما زالت قادرة على الحكي… حتى في أصعب الظروف.
