كارثة علمية في قلب الخرطوم: الحرب تدمر متحف السودان للتاريخ الطبيعي

الخرطوم ،الغدالسوداني  ـــ«خلاص… كل شيء انتهى». بهذه العبارة الموجعة لخّص مسؤول حكومي سوداني حجم الفقد الذي تعرض له «متحف السودان للتاريخ الطبيعي» في وسط الخرطوم، بعدما طالته نيران الحرب الدائرة منذ أبريل (نيسان) 2023. فالمتحف الذي شكّل لعقود طويلة مرجعاً علمياً وثقافياً يوثق التنوع البيولوجي في البلاد، فقد آلاف الحيوانات المحنطة والحية، وعينات نادرة تراكم جمعها على مدى نحو 150 عاماً.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط، فإن موقع المتحف القريب من القيادة العامة للجيش جعله في قلب الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، التي سيطرت على محيط المنطقة لأكثر من عام، ما أدى إلى أضرار جسيمة بالمبنى ومحتوياته.

في الأيام الأولى للقتال، أطلق ناشطون نداءات عاجلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإنقاذ الحيوانات الحية داخل الأقفاص، بتوفير الغذاء والمياه. ومع تعذر الوصول إلى الموقع بسبب المعارك، فُتحت الأقفاص، فهربت بعض الحيوانات، بما في ذلك زواحف سامة، في مشهد عكس حالة الانهيار الكامل التي أصابت المؤسسة.

عميد كلية العلوم بجامعة الخرطوم، الدكتور عثمان علي حاج الأمين، قال إن المتحف فقد نحو ألفي عينة من الحيوانات المحنطة، إضافة إلى أكثر من 600 عينة مرجعية لأنواع مهددة بالانقراض، فضلاً عن سجلات جيولوجية وحفريات حيوانية ونباتية وصخرية نادرة. وأشار إلى أن من بين المفقودات عينات طيور أُحفورية جُمعت بين عامي 1885 و1945، وزرافة كردفان المهددة بالانقراض، وأكبر تمساح مُعمّر عاش في المتحف منذ أن كان بيضة، إلى جانب ثعابين وعقارب و«ورل نيلي».

كما علمت الصحيفة أن محاولات «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» لإجلاء طلاب حوصروا داخل المتحف ونقل الحيوانات الحية والمحنطة باءت بالفشل بسبب ضراوة الاشتباكات في قلب العاصمة.

ويعود تاريخ جمع العينات إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين بدأ ضباط بريطانيون تجميعها، قبل أن تنتقل خلال الحرب العالمية الثانية من المتحف القومي إلى المتحف الطبيعي الذي تولت جامعة الخرطوم إدارته منذ تأسيسه عام 1929. وكان المتحف يوثق التنوع البيولوجي في مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك مناطق جنوب السودان قبل الانفصال، إضافة إلى عينات أُهديت من متاحف عالمية.

ويرجح مسؤولون أن كثيراً من الحيوانات الحية قُتل أو نفق بسبب الجوع والعطش، بينما سُرقت عينات محنطة وأعشاب طبية وصخور جيولوجية جُمعت وصُنّفت عبر عقود طويلة. ويرى عميد الكلية أن إعادة تأهيل المتحف ستتطلب سنوات وأموالاً طائلة، مع صعوبة تعويض ما فُقد من سجلات وعينات تاريخية لا تقدر بثمن.

بهذا الدمار، لا يخسر السودان مجرد مبنى أثري، بل يفقد جزءاً من ذاكرته العلمية والوطنية، وخزاناً معرفياً كان شاهداً على ثراء بيئته الطبيعية وتنوعها الفريد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.