
بعد رفض التأشيرات.. أمجد أبو العلاء يسحب «كرت أزرق» من برلين والسينما السودانية تصطدم بـ«خطر الهجرة»
الخرطوم، الغد السوداني – أعلن المخرج والمنتج السوداني أمجد أبو العلاء سحب فيلمه «كرت أزرق» (Blue Card) من سوق الإنتاج المشترك ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي، في خطوة احتجاجية على ما وصفه بـ«منطق الريبة»، بعد رفض السفارة الألمانية في القاهرة منح طاقم العمل تأشيرات دخول بدعوى «خطر الهجرة».
وقال أبو العلاء، في بيان، إن القرار يمثل «موقف دفاع عن الكرامة»، موضحاً أن طلبات التأشيرة رُفضت رغم الدعوات الرسمية الصادرة من إدارة المهرجان، والدعم المؤسسي من معهد غوته، إلى جانب دعم الصندوق الألماني للأفلام العالمية (WCF)، فضلاً عن السجل المهني المعروف للفريق ومشاركاتهم السابقة في محافل دولية.
أزمة تتجاوز فيلمًا واحدًا
القضية، بحسب مراقبين، تتجاوز حدود مشاركة عمل سينمائي في تظاهرة كبرى، لتكشف إشكالية أعمق تطارد المبدعين القادمين من دول النزاعات، وفي مقدمتها السودان الذي يعيش حرباً مستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.
فمصطلح «خطر الهجرة» بات، في نظر كثيرين، سيفاً إدارياً يُسلّط على رقاب الفنانين، ويختزلهم في احتمال «عدم العودة»، بدلاً من الاعتراف بهم كحاملي سرديات وتجارب إنسانية تعكس واقع مجتمعاتهم.
وتبرز المفارقة في أن شركة الإنتاج نفسها سبق أن حصدت جائزة في برلين عن فيلم «المتعبون»، كما شارك أبو العلاء في دورات سابقة من المهرجان، ما يعزز، وفق منتقدين، الطابع الإجرائي الصارم الذي يُعيد تعريف الفنان وفق جغرافيته لا وفق إنجازه.
«كرت أزرق».. سؤال الهوية في زمن الحرب
يحمل «كرت أزرق» في مضمونه سؤال الهوية في زمن الحرب، من خلال شخصية ترفض تنميطها كضحية أو لاجئ. وهي مفارقة لافتة أن يجد صناع الفيلم أنفسهم، خارج الشاشة، في مواجهة التنميط ذاته الذي ينتقده العمل.
ويقول أبو العلاء إن الانسحاب «ليس موجهاً ضد المهرجان»، بل ضد ما وصفه بـ«ثقافة الخوف» التي تعرقل التبادل الثقافي، مؤكداً أن رحلة الفيلم الدولية ستتواصل في منصات «تحترم الفن وصنّاعه».
بين العالمية وحدود التأشيرات
يرى متابعون أن الواقعة تمس جوهر الفكرة التي تقوم عليها المهرجانات الدولية: الفن لغة عابرة للحدود. غير أن هذه اللغة، كي تكون عالمية، تحتاج إلى حرية انتقال أصحابها.
فحين يُحتفى بالأعمال على الشاشات، ويُمنع صناعها من الوصول، تصبح العالمية شعاراً أكثر منها واقعاً. وفي سياق حرب السودان، تبدو السينما إحدى ساحات الاشتباك الرمزي، حيث يصارع المبدعون للحفاظ على صوتهم وسط القيود السياسية والإدارية.
بهذا المعنى، لا يُقرأ انسحاب «كرت أزرق» بوصفه موقفاً فنياً فحسب، بل كرسالة سياسية وثقافية تعكس تعقيدات المشهد السوداني، وتعيد طرح سؤال أوسع: هل يمكن للفن أن يعبر الحدود، إذا كان الفنانون أنفسهم عالقين خلفها؟
