
جائزة الطيب صالح تدخل عامها الثالث من التوقف.. الحرب تُطفئ واحدة من أهم المنصات الثقافية في السودان
الخرطوم، الغد السوداني – في عامها الثالث على التوالي، تتوقّف جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي عن إقامة فعالياتها في الخرطوم، لتضيف غيابها إلى سلسلة الفراغات الثقافية التي خلّفتها الحرب في السودان، في مشهد يعكس عمق الخسارة التي لحقت بالمشهد الأدبي والفني، لا بوصفه ترفاً ثقافياً، بل كأحد أعمدة الذاكرة الوطنية والهوية الرمزية للمجتمع السوداني.
مساء الثلاثاء، أعلن مجلس أمناء الجائزة استمرار إيقاف فعالياتها بسبب ما وصفه بـ”الظروف الاستثنائية” التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، وما ترتّب عليها من دمار واسع طال المؤسسات الثقافية والبنى التحتية والمجال العام. وجاء البيان متزامناً مع اقتراب الذكرى السابعة عشرة لرحيل الروائي السوداني العالمي الطيب صالح، حيث جرت العادة أن تُنظم الفعاليات الختامية للجائزة سنوياً في 18 فبراير/شباط من كل عام، بوصفه موعداً رمزياً للاحتفاء بالإبداع والكتابة والذاكرة الثقافية.
وبحسب البيان، فإن تنظيم الأنشطة المصاحبة للجائزة في الخرطوم متوقّف منذ 15 أبريل/نيسان 2023، نتيجة تعقيدات الواقع الأمني وصعوبات التنظيم والتواصل. غير أن أمانة الجائزة شددت على “الحرص التام” على استمرار رسالتها الثقافية، ودورها في تعزيز قيم الحوار والتسامح ومناهضة خطاب الكراهية والإقصاء، مؤكدة أن استئناف الفعاليات سيظل مرتبطاً فقط بتوفر الحد الأدنى من الظروف الآمنة.
ويرى مجلس الأمناء أن عودة الموسم الثقافي في السودان لم تعد ترفاً مؤجلاً، بل ضرورة مجتمعية، للمساهمة في ترميم ما لحق بالمؤسسات الثقافية من خراب، من متاحف ومكتبات ومسارح ودور نشر، باعتبار الثقافة أحد المسارات الأساسية لإعادة بناء المجتمع بعد الحرب، لا مجرد نشاط رمزي معزول عن الواقع.
ويمثل القرار امتداداً لمسار بدأ رسمياً مع إعلان تأجيل الدورة الرابعة عشرة لعام 2024 “لأجل غير مسمى”، بينما كانت آخر دورة أُقيمت في الخرطوم قبل الحرب هي الدورة الثالثة عشرة، التي استقبلت أكثر من 700 عمل أدبي من داخل السودان وخارجه. وشهدت تلك الدورة تتويج الروائية المصرية علياء هيكل بالمركز الأول في فرع الرواية عن عملها “الخروج من البئر”، والعراقي ميثم هاشم طاهر في القصة القصيرة، والمغربي عبد الرحيم وهايبي في محور الدراسات النقدية.
ومنذ تأسيسها عام 2010، تحوّلت جائزة الطيب صالح إلى واحدة من أبرز المنصات العربية للأعمال غير المنشورة، وشهدت تصاعداً لافتاً في حجم المشاركات، حيث بلغ عددها في الدورة الحادية عشرة 1762 مشاركة. وتضم الجائزة حقلين ثابتين هما الرواية والقصة القصيرة، إضافة إلى محور ثالث متغيّر شمل في دورات سابقة النقد الأدبي، والمسرح، والشعر، وأدب الأطفال. ومن بين أبرز الفائزين عبر تاريخها: الجزائري أحمد الطيباوي، والمصري سعد القرش، والعراقي ضياء الجبيلي.
غياب الجائزة اليوم لا يعني فقط تعليق فعالية ثقافية، بل يعبّر عن تعطّل أحد أهم المساحات العربية التي كانت تمنح الكتاب السودانيين والعرب فرصة للظهور والتقدير، في وقت تبدو فيه الثقافة السودانية محاصَرة بين الحرب والتهجير وتفكك المؤسسات. ومع ذلك، يصر مجلس الأمناء على أن التوقف مؤقت، وأن الجائزة ستعود “حينما تتهيأ الظروف”، في انتظار لحظة يتقاطع فيها السلام مع إعادة بناء المجال الثقافي، بوصفه شرطاً أساسياً لأي تعافٍ وطني حقيقي.
