إثيوبيا تبني معسكرا سريا لتدريب مقاتلين لقوات الدعم السريع

لندن،الغد السوداني -وكالات – كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى مصادر متعددة وتحليل صور أقمار صناعية، أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً يُستخدم لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني في الدولة المجاورة، في تطور يُعد مؤشراً جديداً على اتساع نطاق أحد أكثر النزاعات دموية في العالم ليشمل أطرافاً إقليمية من أفريقيا والشرق الأوسط.

 

ويمثل هذا المعسكر، بحسب ما توصلت إليه رويترز، أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية، وهو ما قد يشكل تصعيداً خطيراً، إذ يمنح قوات الدعم السريع مصدراً واسعاً لتعويض خسائرها البشرية عبر تدفق مقاتلين جدد، في وقت تتصاعد فيه حدة القتال في جنوب السودان.

 

وقال ثمانية مصادر، من بينها مسؤول إثيوبي حكومي رفيع، إن دولة الإمارات قامت بتمويل إنشاء المعسكر، وقدمت مدربين عسكريين إلى جانب دعم لوجستي للموقع، وهي معلومات وردت أيضاً في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية، فضلاً عن برقية دبلوماسية اطلعت عليها رويترز.

 

ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من دور الإمارات في المشروع أو من الهدف النهائي للمعسكر. وفي ردها على طلب للتعليق، قالت وزارة الخارجية الإماراتية إنها ليست طرفاً في النزاع السوداني ولا تشارك “بأي شكل من الأشكال” في الأعمال القتالية.

 

واندلعت الحرب الأهلية في السودان عام 2023 عقب صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وذلك قبيل انتقال كان مخططاً له إلى الحكم المدني. وأسفرت الحرب عن تفشي المجاعة وارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ذات طابع عرقي، كما أدت إلى نزوح ملايين السودانيين إلى دول الجوار، من بينها مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان.

 

ويستمد طرفا النزاع دعمهما من حلفاء دوليين، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد الحرب ويزيد من مخاطر امتدادها إلى دول الجوار.

 

وأجرت رويترز مقابلات مع 15 مصدراً مطلعاً على إنشاء المعسكر وطبيعة عمله، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، كما قامت بتحليل صور أقمار صناعية للمنطقة. وقدم مسؤولان في الاستخبارات الإثيوبية، إلى جانب صور الأقمار الصناعية، معلومات دعمت ما ورد في المذكرة الأمنية والبرقية الدبلوماسية.

 

ولم تُنشر تقارير سابقة حول موقع المعسكر أو حجمه، كما لم ترد من قبل تفاصيل موسعة بشأن مزاعم ضلوع الإمارات في هذا الملف. وتُظهر الصور توسعاً ملحوظاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب إنشاء مركز تحكم أرضي للطائرات المسيّرة في مطار قريب.

 

وتشير صور الأقمار الصناعية إلى تصاعد النشاط داخل المعسكر منذ أكتوبر تشرين الأول، في موقعه الواقع بمنطقة بني شنقول-قمز النائية غرب إثيوبيا، قرب الحدود مع السودان.

 

ولم يرد متحدثون باسم الحكومة الإثيوبية أو الجيش الإثيوبي أو قوات الدعم السريع على طلبات مفصلة للتعليق على نتائج التحقيق. وفي السادس من يناير كانون الثاني، أصدرت الإمارات وإثيوبيا بياناً مشتركاً دعتا فيه إلى وقف إطلاق النار في السودان، وأشادت الدولتان بعلاقاتهما الثنائية، معتبرتين أنها تسهم في حماية أمن كل منهما.

 

كما لم يصدر تعليق من القوات المسلحة السودانية.

 

ووفقاً لمذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية التي اطلعت عليها رويترز، كان نحو 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع أوائل يناير كانون الثاني، مع الإشارة إلى أن “الإمارات توفر الإمدادات اللوجستية والعسكرية”.

 

وسبق للجيش السوداني أن اتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة، وهي اتهامات قال خبراء في الأمم المتحدة ومشرعون أمريكيون إنها تحظى بدرجة من المصداقية.

 

وتعد أبوظبي داعماً رئيسياً لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد منذ توليه السلطة في عام 2018، وقد عزز البلدان تعاونهما العسكري خلال السنوات الأخيرة.

 

وقال ستة مسؤولين إن غالبية المجندين في المعسكر من الإثيوبيين، إلى جانب مقاتلين من جنوب السودان والسودان، من بينهم أفراد يُعتقد أنهم ينتمون إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، وهي جماعة متمردة تسيطر على مناطق في ولاية النيل الأزرق السودانية. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من هويات الموجودين في المعسكر أو من ظروف تجنيدهم. ونفى قيادي بارز في الحركة الشعبية – شمال، طلب عدم الكشف عن اسمه، وجود عناصر من الحركة في إثيوبيا.

 

وأضاف المسؤولون أن المجندين يُتوقع أن ينضموا إلى قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني في ولاية النيل الأزرق، التي تحولت إلى إحدى جبهات الصراع الرئيسية. وقال اثنان منهم إن مئات المقاتلين عبروا بالفعل الحدود خلال الأسابيع الماضية لدعم القوات شبه العسكرية.

 

وذكرت المذكرة الأمنية أن الجنرال جيتاتشو جودينا، رئيس إدارة الاستخبارات الدفاعية في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، يشرف على إنشاء المعسكر، وهو ما أكده مسؤول حكومي إثيوبي رفيع وأربعة مصادر دبلوماسية وأمنية. ولم يرد جيتاتشو على طلب للتعليق.

 

بناء المعسكر

 

وأظهرت صور الأقمار الصناعية والبرقية الدبلوماسية أن المعسكر أُقيم في منطقة أحراش بحي يُعرف باسم مينجي، على بعد نحو 32 كيلومتراً من الحدود، في موقع استراتيجي قرب التقاء إثيوبيا والسودان وجنوب السودان.

 

وبدأت الأعمال الأولية في أبريل نيسان بإزالة الغطاء النباتي وبناء منشآت بأسقف معدنية شمال الموقع، قبل أن تتسارع أعمال البناء في النصف الثاني من أكتوبر تشرين الأول.

 

ووصفت البرقية الدبلوماسية، المؤرخة في نوفمبر تشرين الثاني، المعسكر بأنه قادر على استيعاب عشرة آلاف مقاتل، مشيرة إلى وصول عشرات مركبات لاند كروزر وشاحنات ثقيلة، إلى جانب عناصر من قوات الدعم السريع ومدربين إماراتيين.

 

ولم تكشف رويترز عن الدولة التي صدرت عنها البرقية حفاظاً على سلامة المصدر.

 

وقال مسؤولان إنهما شاهدا شاحنات تحمل شعار شركة “جوريكا جروب” الإماراتية للخدمات اللوجستية متجهة نحو المعسكر عبر بلدة أصوصا في أكتوبر تشرين الأول، دون أن ترد الشركة على طلب للتعليق.

 

وتطابقت التواريخ الواردة في البرقية مع صور الأقمار الصناعية، حيث أظهرت صور شركة إيرباص للدفاع والفضاء بدء انتشار الخيام منذ أوائل نوفمبر، مع ظهور معدات حفر متعددة.

 

وكشفت صورة التقطتها شركة فانتور الأمريكية في 24 نوفمبر عن أكثر من 640 خيمة، تبلغ مساحة كل منها نحو أربعة أمتار مربعة. ووفق تحليل شركة “جينز” الاستخباراتية، يمكن لكل خيمة أن تستوعب أربعة أفراد، ما يعني أن المعسكر قد يضم ما لا يقل عن 2500 شخص، مع الإشارة إلى أن الشركة لم تؤكد الطابع العسكري للموقع.

 

ورصد مسؤولان عسكريان كبار وصول قوافل مجندين منتصف نوفمبر، من بينها قافلة مكونة من 56 شاحنة في 17 نوفمبر، وأخرى من 70 شاحنة بعد يومين، تحمل كل شاحنة ما بين 50 و60 مقاتلاً.

 

وأظهرت صورة لاحقة وجود ما لا يقل عن 18 شاحنة كبيرة داخل الموقع، تتطابق مواصفاتها مع مركبات يستخدمها الجيش الإثيوبي لنقل الجنود.

 

واستمر التطوير أواخر يناير، مع أعمال حفر إضافية وحاويات شحن مصطفة حول المعسكر. وقال مسؤول إثيوبي رفيع إن أعمال البناء ما زالت متواصلة.

 

مطار أصوصا

 

ويشهد مطار أصوصا، الواقع على بعد 53 كيلومتراً من المعسكر، أعمال توسعة منذ أغسطس آب 2025، شملت إنشاء حظيرة طائرات وساحات انتظار، إضافة إلى ما وصفه خبراء بأنه محطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة.

 

وقال مسؤولون إن الجيش الإثيوبي يخطط لتحويل المطار إلى مركز عمليات للطائرات المسيّرة، ضمن شبكة أوسع تشمل عدة مواقع في البلاد، في إطار استعدادات لمواجهة تهديدات محتملة على الحدود الغربية وحماية منشآت استراتيجية مثل سد النهضة.

 

وأعرب دبلوماسيون ومسؤولون إقليميون عن قلقهم من قرب المعسكر من السد، الذي يبعد عنه نحو 101 كيلومتر، خشية تعرضه لأي مخاطر في حال توسع القتال.

 

وقال محللون إن تطوير المطار مرتبط بزيادة نشاط قوات الدعم السريع في المنطقة، واستخدامه كمنصة لإمدادها داخل السودان. وأضافت مصادر أن الإمارات مولت أيضاً أعمال تجديد المطار، دون إمكانية التحقق المستقل من ذلك.

 

وكانت الإمارات قد تعهدت، بعد تولي آبي أحمد السلطة، بتقديم مساعدات واستثمارات لإثيوبيا بقيمة ثلاثة مليارات دولار، كما وقع البلدان مذكرة تفاهم عسكرية في 2025 لتعزيز قدراتهما الجوية والدفاعية.

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.