مأزق الحركات المسلحة: كيف توزّعت قضايا التهميش بين بورصة الخرطوم ونيالا؟
محمد الأمين عبد النبي يكتب ..
وُلدت الأزمة السودانية من رحم تعثّرٍ تاريخي في البناء القومي، وفشلٍ في إدارة التنوع وبناء عقد اجتماعي عادل. وفي هذا الفراغ البنيوي، لم تكن الحركات المسلحة مجرد نتاج للتهميش، بل تحوّلت مع الزمن إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في إعادة إنتاجه، عبر استخدامٍ مزدوج للحرب والسلام بوصفهما أداتي مقايضة. فبدلاً من أن يشكّل السلاح وسيلةً اضطرارية لفرض قضايا عادلة، أصبح امتيازاً سياسياً دائماً، يُستخدم في زمن الحرب للضغط العسكري، وفي زمن السلام للمحاصصة السلطوية. فقد انتقل إرث الكفاح المسلح من كونه صكاً للتحرر إلى آلية لاستلاب الدولة، حيث أُديرت مؤسسات الحكم بعقلية الغنيمة، واستُنسخت داخلها شبكات الولاء، وبدلاً من أن تكون الحركات شريكة في تفكيك بنية الاستبداد، أصبحت معطِّلاً للحكم الديمقراطي، بإعادة تعريف الدولة كإقطاعية تُوزَّع امتيازاتها لمن يحمل البندقية.
إن ما يشهده السودان اليوم يتجاوز كونه صراعاً محلياً، ليشكّل تجسيداً لظاهرة هَجنة السلطة والعنف، حيث تتحوّل الحركات المسلحة إلى كيانات موازية للدولة، تعيد تدوير المظالم لاستدامة النفوذ. ومن دون تفكيك هذه البنية، التي ترى في السلام فرصةً لإعادة التموضع، سيظل السودان أسير حلقة مفرغة، تتبدّل فيها أدوات الصراع، بينما تبقى الدولة مجرد غطاء تتصارع تحته شبكات الولاء والمصالح الضيقة.
يجادل هذا المقال بأن عدالة قضايا التهميش لا تحصّن تلقائياً أصحابها من الانتهازية السياسية، وأن المعضلة لا تكمن في مشروعية المطالب، بل في تحويلها إلى أسهم في بورصات سلطة متعددة؛ بورصة مركزية في الخرطوم، وأخرى موازية في نيالا، حيث توزّعت الحركات المسلحة بين المعسكرين، وجرت المتاجرة بالمظلومية كعملة سياسية.
السياق التاريخي:
عرف السودان عبر تاريخه العديد من الحركات المسلحة، التي عكست صراعاته البنيوية بين المركز والهامش، بين مطالب العدالة الاجتماعية والتوزيع غير المتكافئ للسلطة والموارد، وبين السياسات التهميشية التي مارستها الدولة المركزية. ويُعد أول ظهور ملحوظ لهذه الحركات عام 1955، عندما تمرّد فيلق الاستوائية في منطقة توريت، احتجاجاً على سياسات التهميش. وبعد ذلك، تتابعت الحركات المسلحة في جنوب السودان، وامتدت لاحقاً إلى دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، والشرق.
من أبرز هذه الحركات حركة “أنانيا” في الجنوب، التي خاضت حرباً ضد الحكومة حتى اتفاق أديس أبابا 1972، حيث تم استيعاب عناصرها في الجيش، لتتطوّر لاحقاً إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي استأنفت الحرب من عام 1983 وحتى اتفاقية نيفاشا 2005، التي نصّت على الاعتراف بالقوات المسلحة للجنوب ودمج قيادتها في الحكومة المركزية، ومهّدت الطريق لانفصال الجنوب عام 2011.
بدأت الحركات المسلحة ككيانات مطلبية عقب ثورة أكتوبر 1964، لا سيما جبهة نهضة دارفور ومؤتمر البجا، بغرض تمثيل الأقاليم، إلا أن قمع نظام نميري حوّل مسارها نحو العمل العسكري، لينفجر المشهد بعد انفصال الجنوب. فقد شهدت دارفور ظهور حركات مسلحة متعددة، أبرزها حركة العدل والمساواة عام 2001 وحركة تحرير السودان عام 2002، واللتان شهدتا انقسامات وتوسّع نشاطهما على نطاق واسع، مما خلق مشهداً معقداً. وقد ساهمت سياسات الإنقاذ القائمة على الاختراق والترضيّات في صناعة وتفتيت الحركات. هذا التشظي العددي، الذي يفتقر في كثير من جوانبه إلى الرؤية المنهجية، حوّل دارفور إلى ساحة لصراعات دون وطنية تتغذّى على غياب هيبة الدولة وتعدّد الولاءات المسلحة.
عملت الحكومات والحركات على إدارة الصراع عبر سلسلة من الاتفاقيات والمبادرات، على سبيل المثال لا الحصر: إعلان كوكادام 1986، مبادرة السلام السودانية 1988، اتفاق القصر 1989، اتفاق أبوجا 1993، إعلان مبادئ دول إيغاد 1994، مؤتمر أسمرا 1995، اتفاقية الخرطوم للسلام 1997، إعلان طرابلس 1999، المبادرة المصرية الليبية المشتركة 2001، اتفاق مشاكوس 2002، اتفاقية أبشي 2003، اتفاقية نيفاشا 2005، اتفاقية أبوجا 2006، اتفاقية أسمرا 2006، وصولاً إلى اتفاق جوبا 2020. وأصبح السلاح أداة تفاوضية لاستثمار المظلومية والضغط على الدولة، مما شكّل نمطاً متكرراً من العلاقة بين الدولة والحركات المسلحة يعتمد على المقايضة، وحوّل هذه الاتفاقيات إلى مجرد هدن مؤقتة فشلت في معالجة جذور الأزمة السودانية.
تحوّل المشهد المسلح من تمرّد في البدايات إلى انفجار وتشظٍّ في النهايات، حيث شهدت دارفور وحدها ولادة أكثر من ثمانين حركة مسلحة نتيجة الانقسامات. هذا التضخّم العسكري، المدعوم بتدفّق الأسلحة من دول الجوار، أدّى إلى سيولة أمنية. غير أن المفارقة تكمن في أنه كلما تم توقيع اتفاق سلام، ازدادت الحركات تشظّياً وتوالداً، مما يثبت أن نهج المحاصصة السلطوية لم ينجح في استئصال جذور العنف، بل حوّل التمرّد إلى استثمار سياسي يغذّي رغبة الانشقاق للحصول على مكاسب جديدة.
تُعد رؤية “السودان الجديد”، التي صاغها الدكتور جون قرنق عند تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، المرجعية الفكرية الأم التي نهلت منها الحركات المسلحة اللاحقة؛ إذ نقلت الصراع من مجرد مطلب جهوي إلى صراع يهدف إلى إعادة هيكلة الدولة. وتنطلق هذه المرجعية من تشخيص أزمة السودان بوصفها أزمة مركز في أيدي نخبة محدودة، مما يوجب تفكيك قبضة المركز لصالح الأقاليم، وهي الرؤية التي لا تزال تشكّل الركيزة الأساسية لتوجهات الحركات الحالية.
تنطلق الحركات المسلحة من سردية المظالم التاريخية الناتجة عن خلل بنيوي في علاقة المركز بالأطراف، وتتبنّى أيديولوجيات تتراوح بين العلمانية والمطالب المناطقية التي تسعى لانتزاع حكم ذاتي يضمن نصيباً عادلاً من موارد أقاليمها. كما تشكّل الدفاعات القبلية منطلقاً جوهرياً للحماية في ظل غياب سيادة القانون والتنمية المتوازنة وضمان التمثيل في السلطة.
لا يمكن فهم الحركات المسلحة السودانية بمعزل عن سياقها الإفريقي؛ فالسودان يقع ضمن مجمّعات أمن إقليمية متداخلة مع تشاد وإفريقيا الوسطى وليبيا. وقد أدّى نشاط هذه الحركات إلى تحويل الحدود إلى ممرّات سيولة للسلاح والمقاتلين واللاجئين، مما أضعف مفهوم الدولة الوطنية وجعل السودان عرضة للتدخلات الدولية وحروب الوكالة. هذا التداخل الأمني جعل من استقرار السودان شرطاً لازماً لاستقرار منطقة الساحل والقرن الإفريقي، وباتت أزماته الداخلية تصدّر عدم الاستقرار إلى الجوار الإقليمي.
عالمياً، أفرزت التحولات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، بدءاً من تداعيات أحداث سبتمبر وصولاً إلى النزاعات الدولية المعاصرة كالحرب الروسية – الأوكرانية، واقعاً جديداً تعاظم فيه دور الفاعلين المسلحين من غير الدول، حيث تداخلت أنشطة الحركات المطلبية وفصائل المقاومة مع نفوذ شركات الأمن الخاصة العابرة للحدود، مما جعل من هذه الكيانات رقماً صعباً في إدارة الأزمات، وفرض ضرورة ملحّة لتحليل هياكلها التنظيمية وأنماط تفاعلاتها العسكرية لتقييم مدى قدرتها على الاستمرار كأدوات بديلة أو موازية للجيوش النظامية في صياغة موازين القوى.
في ذات النسق، يبرز تحوّل السودان إلى مختبر حي للتداخل الجيوسياسي؛ فبينما تقاتل الحركات انطلاقاً من مظالم تاريخية مرتبطة بالهوية والأرض والسلطة، أصبحت نموذجاً لـ”خصخصة الحرب” لتأمين موارد استراتيجية كالذهب، أو للعمل كوكلاء في صراعات إقليمية. هذا النمط الهجين أدّى إلى تآكل مفهوم الجيش الوطني، حيث استعانت الأطراف المتصارعة بخدمات مقاتلين ومنظمات أمنية غير نظامية لإدارة المعارك الميدانية، مما حوّل الصراع من قضية حقوق وطنية إلى سوق مفتوح تتقاطع فيه المصالح الخارجية مع الطموحات المحلية.
يكشف المسار التاريخي للحركات المسلحة عن نمط من التنكّر للمطالب الجماهيرية؛ فبمجرد وصول القيادات إلى السلطة، تتحوّل إلى جزء من المركز، حيث تُستبدل شعارات التنمية والعدالة والمواطنة بالمناصب وتكديس الثروات الشخصية. وقد جعل صعود القادة إياهم يتجاهلون قضايا النازحين والخدمات الأساسية، بل ويشاركون في قمع الحراك الثوري لحماية مصالحهم الجديدة، كما حدث في اتفاق جوبا مثالاً، حيث اختطفه المكوّن العسكري لإجهاض ثورة ديسمبر. فبدلاً من مخاطبة جذور المشكلة، تحوّل الاتفاق إلى صفقات تحت الطاولة تضمن بقاء السلطة الانقلابية ونهب الموارد وشرعنة وجود جيوش متعددة في المدن، وفجّر صراعات قبلية في أقاليم لم تكن مشتعلة، مما جعله اتفاقاً شائهاً عمّق الفساد والسيولة الأمنية.
انتهت الحركات المسلحة في أتون الحرب الراهنة إلى حالة من الإفلاس الأخلاقي والمادي الشامل؛ فمعنوياً، سقطت سردية المظلومية التي اقتاتت عليها عقوداً بعد أن تورّطت قواتها في جرائم وانتهاكات ضد المدنيين، وحوّلت مناطق نفوذها إلى ساحات للنهب والترويع، مما أفقدها حاضنتها الاجتماعية وجعلها في نظر الشعب مجرد أمراء حرب يبحثون عن الغنائم. أما مادياً، فقد استُنزفت قدراتها العسكرية وتحولت إلى هياكل هشّة تعيش على عطايا الأطراف المتصارعة، في ظل استشراء الفساد داخل نخبها التي انغمست في صفقات مشبوهة وعمليات غسل أموال وتهريب موارد البلاد. هذا التورّط في الجرائم والفساد لطّخ تاريخها النضالي، وحوّل قادتها من مشاريع قادة وطنيين إلى مطلوبين للعدالة أو أرقام ثانوية في أجندات عسكرية لا ترحم.
التحديات التي فرضتها الحركات المسلحة:
تتمثّل أبرز تحديات عمليتي الدمج والتسريح في المعضلة الأمنية الناتجة عن تضارب المصالح السياسية والاقتصادية للقوى المسلحة، حيث يصطدم بناء جيش مهني موحّد بعقبات انعدام الثقة بين الأطراف، وضعف الإرادة السياسية، والتعقيدات اللوجستية والمالية لبرامج التسريح وإعادة الدمج، فضلاً عن التدخلات الإقليمية التي تجعل من السلاح ورقة ضغط سياسي يصعب التنازل عنها، مما يحول دون إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش التي تظل المهدد الأول لبقاء الدولة.
تتمحور ديناميكية الحركات المسلحة حول صراع محتدم لضمان الحصص في السلطة والثروة، حيث أفرز اتفاق جوبا بمساراته الخمسة واقعاً سياسياً معقّداً اصطدم برفض قوى كفصيلي “الحلو” و”عبد الواحد”، وتوجّس أخرى كفصيلي “جبريل” و”مناوي” من مراجعة الاتفاق خشية فقدان مكاسبها، مما أدّى إلى الانكفاء على التحشيد القبلي، لتظل معضلة تعدد الولاءات وتضارب المصالح معوقاً لجهود السلام.
يغرق السودان في مباراة صفرية بين الجيش والدعم السريع، تتجاوز الصراع على السلطة لتصل إلى محاولة الاستئصال المتبادل، مما فجّر صراعات تكريس سيطرة واقعية على الأرض. هذا المشهد يضع الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش أو مع الدعم السريع أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في حرب الوكالة، أو النأي بنفسها والعودة إلى الحياد مجدداً، في الوقت الذي تتقاطع فيه مصالحها مع المطالب المدنية بمحاسبة المتورطين في الجرائم وبناء حكم ديمقراطي.
يعود تشظّي الحركات المسلحة إلى تداخل معقّد بين الطموحات الشخصية للقادة وغياب المؤسسية، حيث تؤدي الخلافات حول تقاسم السلطة والمناصب والموارد في أعقاب كل اتفاق سلام إلى انشقاقات تُولّد حركات جديدة تبحث عن مقعد في طاولة التفاوض. ويُضاف إلى ذلك التسييس القبلي الذي حوّل بعض الحركات من كيانات قومية مطلبية إلى واجهات إثنية ضيقة، مما أضعف تماسكها وجعلها عرضة للاختراق والإضعاف، لينتهي الأمر بتحويلها إلى كيانات صغيرة تفتقر إلى الرؤية وتقتات على اقتصاد الحرب.
تجلّيات المأزق الماثل:
تُشكّل الحركات المسلحة حجر عثرة أمام المشروع المدني، إذ غالباً ما كان صعودها مقترناً بتقويض مؤسسات الدولة الحديثة لصالح بنى تقليدية ما قبل وطنية. فبدلاً من المساهمة في صياغة بديل ديمقراطي، عمدت إلى استدعاء القبيلة وتسييس الهويات كأداة للتعبئة العسكرية والضغط السياسي، مما جعل الصراع ينتقل من تنافس حول برامج تنموية إلى نزاعات جهوية تمزّق المجتمع. هذا الارتباط العضوي بالقبلية جعلها الحليف المثالي لأجندة الاستبداد، حيث تجد الأنظمة القمعية في هذه الحركات شريكاً براغماتياً يسهل استرضاؤه، فيقوم قادتها بدور الوكيل لقمع الحراك المدني وتفتيت القوى المدنية المطالبة بدولة القانون، لتنتهي هذه الحركات كأدوات في يد السلطة المستبدة تُستخدم لإجهاض أي تحوّل ديمقراطي يهدد امتيازاتها.
تنخرط الحركات المسلحة في شبكات اقتصادية تشمل تهريب الموارد والعمل بالوكالة، مما فرض اقتصاد الحرب الذي يستفيد من استمرار الفوضى. هذا الواقع أدّى إلى تدمير البنية التحتية وهروب الاستثمارات، ومأساة مفارقة “الفقر في بلاد الموارد”، حيث تُنفق الميزانية على الآلة العسكرية بدلاً من التنمية.
تعكس الحركات المسلحة أزمة عميقة في التوافق البيني والتماسك الداخلي، حيث تؤدي الانشقاقات المتكررة إلى تفتيتها وتحويلها إلى كيانات متصارعة، وبالتالي تتمسّك برفض التفاوض والاستمرار في الحرب، مما يعقّد جهود التوصل إلى سلام شامل.
تجسّد الحركات المسلحة وجهاً مكشوفاً للانتهازية السياسية، حيث تفتقر في جوهرها إلى برامج وطنية، وتتخذ من السلاح وسيلة للسلطة، مستغلة في ذلك غياب هيبة الدولة. فقد تحوّل العمل المسلح لديها إلى أداة ابتزاز بدلاً من كونه وسيلة نضالية، مما ساهم في عسكرة الفضاء العام وتكريس منطق الغنائم.
تتجلّى أزمة الحركات المسلحة في الزهد البنيوي بالديمقراطية، حيث كشفت الوقائع عن نمط ثابت يستدبر التداول السلمي للسلطة لصالح شرعية البندقية. فالمفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الحركات كانت ترفع السلاح في وجه الأنظمة الديمقراطية، بينما لا تضع أوزار حربها إلا فوق طاولات النظم الديكتاتورية عبر صفقات ثنائية. هذا السلوك يبرهن على أن الحركات لم تكن تبحث عن دولة مؤسسات بقدر بحثها عن “فيتو”، مما جعلها شريكاً أصيلاً في إجهاض الديمقراطية، وهو ما يفسّر ميلها الدائم للتعاقد مع الجنرالات.
تتسم العلاقة بين الحركات المسلحة والحكم الشمولي بكونها علاقة تضاد في الميدان وتخادم في السلطة؛ فبينما يمثل الاستبداد مبرّراً لوجود هذه الحركات وتمردها، إلا أن الأنظمة الشمولية ظلت هي الشريك المفضل لها في صياغة التسويات. وتعود هذه المفارقة إلى أن الحكم الشمولي يمتلك القدرة على تجاوز المؤسسات والتشريعات لمنح قادة الحركات امتيازات بعيداً عن تعقيدات الرقابة الديمقراطية، وفي الوقت ذاته يمنح النظام الشمولي شرعية زائفة عبر ادعاء تحقيق السلام وتوسيع قاعدته.
تتميّز الطبيعة البراغماتية للحركات المسلحة بقدرتها الفائقة على عقد تحالفات متناقضة أيديولوجياً، وأبرزها تحالفها المصلحي مع تيار الإسلام السياسي، حيث يتجاوز هذا التقارب الشعارات المرفوعة ليتمحور حول تبادل الأدوار والمنافع السلطوية. وفي المقابل، يستخدم الإسلاميون هذه الحركات كحليف ميداني لمواجهة القوى المدنية. هذا التحالف يُعد “زواج ضرورة” يهدف إلى حماية الامتيازات المتبادلة وإبقاء السلاح في المعادلة السياسية؛ فبينما وظّف “الكيزان” الدين لاحتكار السلطة وتخوين المعارضين، استثمرت الحركات المسلحة آلام التهميش كرأسمال سياسي تُقايض به في أسواق المحاصصة. هذا التشابه البنيوي يكشف أن المظلومية، حين تنفصل عن قيم العدالة، تصبح وجهاً آخر لخطاب يبرّر الانقضاض على موارد الدولة وتفتيت المجتمع عبر التحشيد الهوياتي الضيق.
تحوّلت الحركات في مناخ التردّي السياسي إلى إقطاعيات تُختزل فيها تطلعات الأقاليم في طموحات الأفراد، حتى يغدو اسم القائد هو المؤسسة وهو البرنامج. وهذا التماهي الكامل بين التنظيم والزعيم يعكس أزمة بنيوية في الوعي السياسي، حيث يُستبدل العمل المؤسسي بالولاء العشائري. إن تكاثر هذه الفصائل المرتبطة بأسماء مؤسسيها جعل قضايا الهامش “ماركات” مسجّلة.
كشفت حرب أبريل بشكل صارخ انتقال الحركات من الحياد إلى أداة للمساومة بدلاً من كونه موقفاً أخلاقياً لحماية المدنيين. فقد وظّفت الحركات حالة السيولة الأمنية لإعادة تموضعها في الصراع، منتظرةً رجحان كفة الطرف الغالب. ومع تطور الحرب، انقسمت تبعاً للمصالح الضيقة، فانخرطت في تحالفات أمر واقع بين الخرطوم ونيالا مقابل تأمين النفوذ، مما يثبت أن قرار الحرب أو السلم لديها لا يحركه مصير النازحين أو وحدة البلاد بقدر ما تحركه حسابات الربح والخسارة في سوق السلاح السياسي.
تتمثّل المعضلة الكبرى للحركات المسلحة في عجزها عن التحوّل إلى أحزاب سياسية، حيث ظلت أسيرة للسلاح كضمانة للوجود والمساومة. هذا الاستعصاء على الاندماج في الحياة الحزبية يعود إلى خشيتها من الاحتكام إلى قواعد اللعبة الديمقراطية وشروط التنافس السلمي، التي تتطلب برامج فكرية وقواعد جماهيرية بدلاً من التراتبية العسكرية والولاءات الجهوية. إن التمسّك بالبندقية ليس إلا تعبيراً عن إفلاس سياسي وهروباً من استحقاق التحوّل الديمقراطي.
تعيش الحركات المسلحة اليوم مأزقاً أخلاقياً بعد أن تحوّلت من قوى تحرّر تذود عن مجتمعاتها إلى الفاعل الأساسي في تدمير البنية التحتية والنسيج الاجتماعي للمناطق التي ادّعت تمثيلها؛ إذ أدّى ارتهانها للسلاح وانخراطها في حروب الوكالة إلى تحويل قراها ومدنها إلى ساحات محروقة وتشريد الملايين من قواعدها. غير أن منطق التاريخ يؤكد أن الأنظمة العسكرية، بطبيعتها الديكتاتورية التي لا تقبل الشراكة، ستضحّي بها حتماً فور استنفاد أغراضها الوظيفية، لتجد نفسها في نهاية المطاف وقد خسرت مجتمعاتها وقضيتها.
أدّى تكريس مبدأ المحاصصة السلطوية كمكافأة لحمل السلاح إلى خلق سوق سياسي مفتوح شجّع على تفريخ حركات مسلحة جديدة في الشمال والشرق والوسط، كردّة فعل لابتزاز الحركات الدارفورية. والمفارقة أن الحركات الوليدة لم تخرج من رحم المعاناة الشعبية، بل وُلدت من رحم المؤسسة العسكرية وتحت رعايتها، لتكون بمثابة أجسام موازية لضرب الحركات القديمة أو لإغراق المشهد بكيانات تفتقر إلى القضية وتدين بالولاء لها. هذا النهج حوّل السلام من غاية وطنية إلى عملية تجارية تُشترى فيها الولاءات، لينتهي الأمر بدولة غارقة في غابة من الجيوش تعمل كبيادق في يد العسكر لتفتيت الوطن.
استحقاقات إزالة تشوّهات الحركات المسلحة:
يمثّل تعدد الحركات المسلحة انعكاساً خطيراً للصراع على السلطة والثروة، مما يجعل إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش ضرورةً حتمية لوحدة البلاد، لصالح بناء جيش مهني واحد يبتعد عن السياسة ويلتزم بالدستور.
تُعد عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج حجر الزاوية في تحقيق السلام المستدام، وهي عملية ثلاثية الأبعاد تهدف أولاً إلى تجريد المقاتلين من عتادهم، ثم فك ارتباطهم التنظيمي بالجماعات المسلحة، وصولاً إلى دمجهم كمدنيين فاعلين أو كجنود نظاميين ضمن إصلاح أمني وعسكري. كما تعمل هذه العملية على تهيئة بيئة آمنة تمنع العودة إلى السلاح، بما يضمن تلبية احتياجات المجتمع في الأمن والاستقرار.
تبرز ضرورة طرح رؤية نقدية لمصطلح المركز والهامش باعتباره مصطلحاً يضلل الوعي؛ فالصراع في جوهره ليس إثنياً أو مناطقياً، وإنما صراع سلطة. ففي داخل كل منطقة مهمّشة توجد نخب تستحوذ على الموارد، وفي قلب المركز توجد أغلبية مهمّشة. لذا فإن أيديولوجية الاستعلاء ليست إلا غطاءً يُستخدم لنهب الموارد وسجن الجماهير في صراعات إثنية تجعلهم وقوداً للحروب بدلاً من الوعي بحقوقهم التنموية.
ضرورة فك الارتباط بين المطالب التنموية المشروعة والحركات المسلحة التي احتكرتها؛ فمظالم التهميش والعدالة وإزالة الفوارق الثقافية قضايا عادلة لا يمكن تجاوزها، لكن تجاوز الحركات كأداة لتحقيقها أصبح حتمياً بعد أن أثبتت التجربة أن البندقية لا تُنتج حلولاً. إن المخرج يكمن في استرداد هذه المطالب من دهاليز المحاصصات وإعادتها إلى الفضاء المدني الديمقراطي عبر عقد اجتماعي جديد ومشروع وطني يخاطب جذور الأزمة، متجاوزاً أمراء الحرب، لضمان أن تذهب ثمار السلام إلى الإنسان البسيط في قريته، لا إلى القائد في مكتبه بالمركز.
تتطلب أي عملية سياسية أو اتفاق سلام تبنّي مقاربة حازمة في التعامل مع الحركات المسلحة، وذلك بوضع نهاية لعصر المحاصصة مقابل السلاح. فالمسار الصحيح يكمن في إقرار مبدأ الدمج والتسريح شرطاً مسبقاً قبل المشاركة في السلطة، مع ضرورة تحويل الحركات إلى كيانات مدنية تخضع لقانون الأحزاب. كما يجب أن يرتكز الاتفاق على فصل المطالب التنموية عن طموحات القادة، بحيث تُدار أموال الإعمار والتنمية عبر مؤسسات حكومية بعيداً عن سيطرة الحركات. إن أي عملية سياسية لا ينبغي أن تتسامح مع بقاء الجيوش الموازية أو منح مقاعد للحركات بناءً على ثقلها القتالي، بوصفه قاعدة انطلاق لاستعادة الدولة وتجاوز إرث الابتزاز.
يستوجب الخروج من نفق الأزمات المتكررة إحلال مفهوم التنظيم القومي الشامل بدلاً من نموذج الحركات المناطقية، التي أثبتت التجربة أنها تعمل كمعاول لهدم الوحدة الوطنية عبر تقزيم القضايا الكبرى في قوالب مناطقية وإثنية ضيقة. فالتنظيم القومي يتجاوز جغرافيا الرصاص إلى فضاء المواطنة، حيث تُبنى الكيانات السياسية على أساس البرامج الفكرية والاقتصادية التي تخاطب تطلعات السودانيين، وتضع حلولاً لقضايا الهامش ضمن إطار قومي موحّد يرفض منطق الكانتونات.
يمثّل اختزال الحركات المسلحة في إطار المهددات الأمنية مقاربة قاصرة تُجهض فرص الحلول المستدامة؛ إذ تؤدي هذه الرؤية إلى عزل قوى اجتماعية تمتلك مطالب موضوعية، وتحويلها من شركاء في بناء الدولة إلى عقبات أمام السلام. إن الشراكة السياسية تتطلب استيعاب هذه الحركات في العملية السياسية، لا ضمن عمليات تفاوضية ثنائية ثبت فشلها، بحيث يصبح إدماجها ركيزة لبناء شرعية توافقية.
صحيح أن سجل الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين يمثل عائقاً أمام اكتساب الشرعية، فالمصداقية تقتضي الاعتراف بالانتهاكات وتبنّي أجندة المصالحة والعدالة الانتقالية. إن أي حزب ينشأ من رحم حركة مسلحة دون الابتعاد عن تكتيكات المقايضة السلطوية سيظل فاقداً للأهلية الأخلاقية، وبالتالي فإن النقد الذاتي والالتزام بمدنية الدولة يمثلان استحقاق المرحلة للانصهار في البناء الوطني.
