مبدأ مركزية الضحايا في العدالة السودانية
نون كشكوش تكتب… مبدأ مركزية الضحايا في العدالة السودانية
(إننا نولد من جديد لنبدأ عهداً جديدا) بهذه العبارة افتتح رودريغو لوندونيو اعتذاره لضحايا النزاع المسلح في كولمبيا، في لحظة مفصلية اعترفت فيها أطراف الصراع بمسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه الضحايا، وجعلت منهم نقطة الانطلاق لعملية العدالة الانتقالية،وهو درس بالغ الأهمية عند مقاربة التجربة السودانية وتعقيداتها الممتدة.
شهد ملف العدالة الانتقالية في السودان، خلال الفترة الانتقالية، جهداً كبيراً ومكثفاً، غير أن هذا الجهد اصطدم منذ بدايته بغياب رؤية موحدة وواضحة لمعنى العدالة الانتقالية ومساراتها. فقد برز صراع واضح بين وزارة العدل ومستشاريها من جهة، وبين المهتمين والفاعلين في ملف العدالة الانتقالية من جهة أخرى، الأمر الذي دفع هؤلاء إلى تشكيل تحالف العدالة الانتقالية في محاولة لحماية هذا المسار، الذي يبدأ أساساً من مسودة قانون مفوضية العدالة الانتقالية وإنشاء المفوضية نفسها، بوصفه التزاماً دستورياً نصّت عليه الوثيقة الدستورية.
وبحكم تكليفي في لجنة تسيير نقابة المحامين، كنا جزءاً من مقاومة مشروع قانون العدالة الانتقالية الذي تم تصميمه من قبل مستشاري وزير العدل و لم يحظَ بالمشاورات وقتها ، لا سيما مع أصحاب المصلحة الحقيقيين: (الضحايا) بعدها جرى تصميم مشاورات غير كافية في تقديري ، اقتصر فيها التمثيل على دعوة أفراد من ولايات مختلفة، دون تمكين فعلي للمجتمعات المتأثرة أو الاستماع العميق لتجاربها ومعاناتها،
إن مبدأ مركزية الضحايا في السياق السوداني هو ضرورة سياسية وقانونية ملزمة. ففي بلد راكمت دولته المركزية انتهاكات جسيمة وممتدة لعقود، من دارفور إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق والشمال، لا يمكن اختزال الضحايا في حالات فردية معزولة. الضحايا في السودان هم مجتمعات كاملة تعرّضت للإقصاء والعنف والتهميش المنهجي، ومن دون إعادة توزيع السلطة الرمزية والمعرفية لصالح هذه المجتمعات، ستظل العدالة الانتقالية خطابا نخبويا منفصلا عن واقع الناس يرسخ لادمان الفشل .
بعد توقيع الاتفاق الإطاري، نُظّمت ورش ولائية أكثر حساسية للسياقات المحلية في جنوب كردفان ونهر النيل وولايات أخرى. وقدمت هذه التجارب نموذجاً أولياً لما يمكن أن تكون عليه مشاورات حقيقية تنطلق من القاعدة إلى المركز، لا العكس. ويحسب لهذه الخطوة أنها شكلت تطوراً ملموسا لمصلحة الضحايا، عبر إشراكهم في النقاش بصورة أقرب إلى التعبير عن مطالبهم الحقيقية.
ومع اندلاع حرب 15 أبريل، واتساع نطاق الانتهاكات وتعقّد المشهد السياسي والإنساني، برز دور مركز العدالة الانتقالية والمجتمع المدني السوداني في رفع قدرات مئات السودانيين والسودانيات في الشتات، إلى جانب نشر الوعي عبر البودكاست والمنصات والصحف الرقمية،
حققنا تقدما ملحوظا برغبة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في ولاية الجزيرة برغبتهم الجادة في محاسبة مجرمي الحرب و كسرهم لحاجز الخوف و الوصمة و كل ذلك نتيجة لرفع الوعي بالحقوق .
ورغم أهمية هذا الجهد، إلا أنه يظل غير كافٍ ما لم يُترجم إلى مسار عملي يهيئ الضحايا لعملية عدالة شاملة تعبّر عن مطالبهم العادلة، بالاستفادة من تجارب دول شهدت نزاعات طويلة، مثل جنوب أفريقيا وكولمبيا وغيرها.
وتُعد تجربة كولمبيا في العدالة الانتقالية، كما وردت في اتفاقية السلام لعام 2016، نموذجاً متقدماً يضع الضحايا في قلب العملية. فقد اعتمدت الاتفاقية ما عُرف بالنظام الشامل للحقيقة والعدالة والجبر وعدم التكرار، والذي جمع بين آليات قضائية وغير قضائية، شملت محكمة خاصة للسلام، ولجنة مستقلة للحقيقة، ووحدة للبحث عن المفقودين، إلى جانب برامج متكاملة لجبر الضرر ورد الاعتبار وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وقد وُصفت هذه التجربة بالواقعية لأنها وازنت بين متطلبات السلام وضرورة المساءلة عن الجرائم الجسيمة.
إن معالجة جذور الحروب والانقلابات في السودان لا يمكن أن تتم دون مراجعة شاملة لبنية الدولة نفسها، وقوانينها، ومؤسساتها، ولوائحها، وعلاقات السلطة داخلها. فالعدالة الانتقالية تشمل عملية إصلاح متكاملة ترتبط بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس الاعتراف والمساءلة والإنصاف.
وعليه، فإن أي عملية عدالة انتقالية في السودان لن يُكتب لها النجاح ما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية، من المدنيين قبل العسكريين أطراف الصراع، إرادة تبدأ بالاستماع الصادق لأصوات الضحايا اصحاب المصلحة في جبر الضرر و ازالة الغبن و التسامح و الرضا التام بالعدالة.
