حين غنّت المِهن ..كيف شكلت الورش الذوق الموسيقي السوداني

بلال بلال  يكتب ..
كيف شكّلت الورش الذوق الموسيقي السوداني؟
لم تولد الأغنية السودانية
في الفراغ،
ولا خرجت كاملة التكوين من صمت الورق إلى صخب المسرح.
فقد تشكّلت، ببطءٍ وصبر،
في أماكن لا تُذكر كثيرًا حين نكتب عن الفن،
خُلقت في الورش، وعلى السقالات، وبين رائحة الخشب والحديد والقماش.والجلود،
هناك، حيث يعمل الناس بلا ادّعاء،
تكوَّن الذوق، وتدرّب السمع،
وتعلّم الإيقاع أن يكون صادقًا قبل أن يكون جميلًا.
في صوت *المسطرين*,
وهو يُسوّي الجدار،
وفي همس ماكينة *سنجر* ،
وهي تشقّ القماش بخفةٍ منتظمة،
وفي طرقات المطرقة على الحديد
كان ثمة إيقاع يومي، متكرر، عنيد،
يتسرّب إلى الذاكرة دون استئذان،
ثم يعود لاحقًا أغنية تُطرِب السامعين،
لم يكن غريبًا، والحال كذلك،
أن يخرج من هذه البيئة فنانون كبار،
أصواتهم مشغولة بالصنعة،
وألحانهم تعرف معنى الانتظار والتأني.
*التاج مصطفى*،
ذلك الصوت الذي لا يعلو بلا سبب،
ولا ينحرف عن مقامه،
يحمل في أدائه انضباط الحرفي الذي يقيس قبل أن يقطع،
ويعرف أن الجمال ثمرة دقة
وتأني لا يكون صُدفةً ،
فقد كان يعمل في مهنة البناء،
أما *عثمان حسين*،
فقدّم نموذجًا بالغ النضج للصنعة الفنية العالية؛
تلحينٌ يشتغل على التفاصيل،
وصوتٌ لا يفرّط في المساحة،
كأن كل جملة لحنية قد صُقلت
كما يُغازل( المقص)غالي الحرير،،
كان من أمهر الخياطين
قبل إحتراف الفن،
ويجيء *إبراهيم عوض*،
ابن الجسد والإيقاع،
ليؤكد أن الفن ليس تأمّلًا فقط،
بل حركة، ونبض، وعرق.
في أغنياته،
يمكن سماع طرق الحديد،
لا بوصفه ضجيجًا،
بل كإيقاع حياة.
وما أغنية غاية الآمال
إلا مثال على كيف تتحوّل قسوة المادة إلى طراوة لحن.
كان يمتهن الحدادة قبل التفرغ للفن،
ثم *إبراهيم الكاشف*
الذي أعاد وصل الغناء بجذوره الشعبية،
فجاء صوته مشبعًا بكرامة العمل،
وبذاكرة المكان،
وبأخلاق المهنة التي لا تنفصل عن الفن
كان نجاراً ماهراً .
غير أن الحكاية لا تكتمل بالأصوات وحدها.
فالقصيدة نفسها خرجت من رحم الحياة العملية.
شعراء مثل حسين محمد حسن، محمد بشير عتيق،
وعملا في مهنة الحدادة ،
والشاعر علي أحمداني المعروف
ب ( المسّاح)
صاحب ( الشاغلين فؤادي)؛
كان يعمل مساعد خياط ،
و- الشاعر حميدة أبو عشر
وكان نجاراً ،
، وعبد الرحمن الريح،
وكان يعملّ ( جلاداً) وهي مهنة تُعني بتصنيع الجلود وبنقشها،
ولقد كتبوا بلغة تعرف التعب،
وتحترم الانتظار،
وتفهم أن الفرح لا يُستعجل.
لم تَكُنْ مفرداتهم معلّقة في الهواء،
بل كانت مشدودة إلى الأرض،
و- إلى الناس،
و- إلى يوم العمل الطويل،
وإلى تلك الأحلام الصغيرة التي
لا تعيش إلا بالصبر.
ولهذا جاءت قصائدهم قادرة على عبور الزمن،
لأنها لم تُكتب له وحده.
وحين نقول إن الأغنية السودانية ابنة المهنة والحياة اليومية،
فإننا نعني ذلك حرفيًا:
الكلمة، كما اللحن،
تشربت إيقاع الورشة،
وتعلّمت من اليد العاملة كيف تقول أقلّ وتعني أكثر.
ولعلّ هذا ما يدعونا اليوم إلى إعادة النظر في أسماءٍ ظننا أننا تجاوزناها،
بينما كانت هي، في الحقيقة، تنتظر زمنها بهدوء.
ومن هنا يحسن التوقف توقفًا تأمليًا لا ختاماً عند الشاعر حسين،
الذي كتب أغنية خرجت من سياقها الزمني،
لتعود هذه الأيام ترندًا يتداوله مغنّو مصر والسودان على السواء:
*يلا يا سائق نلحق الرايق*».
تلك الأغنية التي لحّنها برعي،
وغنّاها بصوته المجبول بالصدق (عبد العزيز) طبعاً (داوود)،.
إن عودة هذه الأغنية اليوم ليست مصادفة،
بل دليل جديد على أن النص الصادق،
المشحون بروح المكان والعمل والناس،
لا يشيخ ولا يخفت،
بل ينتظر لحظة انتباه جديدة ليقول:
ما زلت هنا.
ومن هذا المعنى،
أجدني مدفوعاً ومدينًا في الوقت ذاته للأستاذ الزاكي أحمد،
إلى وعدٍ بالعودة.
عودةٍ للاسترسال في التعريف بالشاعر حسين،
والوقوف عند تجربته بما تستحقه من قراءة أعمق،
بعيدًا عن الاستعجال،
وقريبًا من تلك الورش الأولى
التي علّمت الأغنية السودانية
كيف تُشبه الناس.
وكيف تبقى،،

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.