المزاج الأمدرماني
مصطفى خالد مصطفى يكتب ..
من بين كل أشكال السعادة وتقنياتها، تظل أمدرمان عندي استثناءً عصيًّا على القياس، دنيا من الفتون لا تحدُّها جغرافيا ولا تقيّدها الصورة، أختبرها في سنين عمري حالةً وجوديةً كاملة، كإحساسٍ مقيم في وعيي، كرجفةٍ في روحي لا أعرف متى بدأت ولا كيف ستنتهي. لتستحيل من مكانٍ وُلدتُ وترعرعتُ فيه، إلى معنى أعود إليه مهما ابتعدت بي الطرق وتشعّبت حواليَّ الأزمنة.
أقيس عمري بعدد المرات التي مشيتُ فيها في شارعٍ يحمل أكثر من حكاية وأكبر من ذاكرة جماعية. طبقاتٌ من الحكايا المتراكمة والجلال الباهر شكّلت أديم هذه الأرض الحبيبة الطيبة. هناك، حيث التاريخ لم يقف يومًا خلفي، بل تجوّل معي وشبّك أصابعه بيدي، يربّت على كتفي أحيانًا ويُثقل خطوي أحايينَ أخرى. أمدرماني، التي فهمَتْ مبكرًا أن التاريخ إذا لم يُعَش يتحول إلى عبء، وإذا عُولِج بالحكمة تجلّى طَوْطَمًا للقوة والاتزان.
أمدرمان غادةٌ في الريعان المتجدّد وحكاياها زادُ المتأمّلين، تتماهى فيها الهامات؛ سوداءَ وبيضاءَ وسمراء، أحبّت النكتة تخفيفًا لكَرِّ الدهر، أنشدت الشعر مجابهةً للقسوة والران، ورندحَت بأغاني الحقيبة ترويضًا للألم والانكسارات. مدينتي حبيبتي لا تحتاج إلى نصبٍ شاهقة وأيقونات، فأيقوناتها بشرية وغير مجسَّمة، تصطلي بأوجاع الباعة في السوق العتيق، وتزدان عيناها بألوان هيئة الفنان إذ ينتصب على خشبة المسرح القومي، وكم هي سمّاعةٌ لونس الحكّائين البرَعة، ثم ما قصّة هذا الصمت؟ صمتها المدجّج بالألفة والأشجان عند شعشعات الصباح وتلاويح الغروب؟
تفسّحتُ بين المسارح والأندية والصوالين الثقافية والمقاهي العتيقة، وتفرّجْتُ على هيكلٍ من جلال، فتلمّستُ مؤسساتٍ غير معلنة لإنتاج المعنى وتدوير الحكمة الشعبية.
مدينتي التي انبثقت منها إرادات، وفي زواريبها وشوارعها أريقت دماء، وعلى طبقات أرضها تداخل المقدّس بالسياسي، والصوفي بالوطني. مع ذلك، لم تتحوّلي إلى مدينة قاسية. كأنكِ أدركتِ أن من ذاق العنف باكرًا يتعلّم لاحقًا قيمة التماسك، لا تسمحين للخوف أن يستعبدكِ، أن يصير سيّدًا عليكِ. تعلّمتُ فيكِ أن السعادة ليست وعدًا مستقبليًا، بل تمرينًا يوميًا على القبول، وعلى تحويل القليل إلى كفاية والضيق إلى أفق والحنين إلى طاقة للمواصلة، كيف لا وأنتِ درّبتِ عينايَ على أن تستَشِفّ من كل شيءٍ جمالا؟
وفي الليل، ليلك، تحت أديم السماء الجليل، تُغوين الساهرين بخطرفات النيام وهم يستغرقون في دبَق النعاس اللذيذ، نعاسٌ يصمّغ الأطراف ويُكهرب الأجفان بفولتاتٍ ناعمة، والليل إذ يغطيكِ يا عزيزتي فإنه يكشف سرائر الخلائق، تدهم الساهرين إشراقات المَكامِن، تتجلّى أمامهم الحقائق فتتعثر الألسنة بطقوسٍ غامضة، لا تبوح بأسرارها إلا لمن شارف التخوم، يُصغون كمستكشفٍ يعبر الظلال، يتحسّسون كما يتهجّى الكفيف الحروف على طريقة برايل، يلوّعون بما لا يُقال في الصحو والعلن، يدوّنون على صدورهم نصوصًا غامضة افتعلتها مشارط الذاكرة في لحظة السكر تلك. يترجّل الجميع عن أدوارهم وتستحيل الأقنعة ذرًّا فتنثال على الوسائد غبارًا من الأكاذيب، دسائس مبعثرة في مضاربةٍ طويلة مع الليل، عن أسرارٍ صغيرة وكبيرة وفضائح عائلية واعترافات ساذجة، فترتعش الأجفان لإضاءة الذاكرة ولَجَب القلب حين ينطفئ الوعي، تمامًا كما يضيء انقطاع الكهرباء دسائس النجوم على الفلك الأثير. هل الدنيا إلا مسرحٌ كبير؟
ينشر الليل شباكه في كل حدب فتثبتها النجوم فوق المنازل والباحات تصيّدًا لأحلام الأمدرمانيين. من نام وقع في الفخ، ومن سهر رعى الهواجس تحت سماء الديّان وأعلفها بدنه ودمه. الليل يلفّ الأرض بمجسّاتٍ مخدّرة تعربش حولها كمحيطٍ سميكٍ يُطقطق بالغازات المهدرجة.
علّمتِ الشعراء سبلًا للسحر الحلال ففنوا في حبّك قبل أن تخبو تويجات ربّاتهم، سلّكتِ حناجر الفنانين والمدّاحين فغرّدوا لكِ وبكِ وتباهوا، طرّقتِ أقلام الكتّاب فاجترحوا في هواك نصوصًا تطير وتحطّ في المخيال كما تحطّ طيور الماء على صفحة البحيرة، وأطلقتِ أفواه المناضلين والثائرين والوطنيين شعاراتٍ للحب والحرية والجمال، وروّضتِ أجساد الممثلين فتلبّسوا معاني ضجّت بها المسارح والشاشات والإذاعات، ونقّيتِ أذهان النجباء فاستحالوا أطباء حاذقين ومهندسين برَعة وتجارًا مباركين.
وحين يُسأل الأمدرمانيّون عن سرّ تعلّقهم بها، لا يملكون جوابًا جاهزًا. إذ كيف نحرّر جوابًا لعلاقةٍ بين الإنسان ومكان؟ مكان قرّر أن يكون أكثر من مدينة: أن يكون ذاكرةً وموقفًا وحالةَ سعادة لا تشبه غيرها، وأُمًّا تتجلّى مهابةً من العظمة لا تقولها المدينة علنًا، لكن من يملك حسًّا كافيًا يفهم. اخترتُها أن تكون مسرحًا لأغلب أعمالي السابقة، وسأظل أعود إليها ما دام هنالك وقت، لأن المدن التي ترمّمُ الروح تستحقّ أن يُباهَى بها.
