سلم على أهل القرى
ابراهيم سالكا يكتب ..
سلم علي اهل القري لا بيد ممدودة ولا بابتسامة مصطنعة بل بصوت عال لا يطلب الاذن ولا يستجدي القبول فالقرية في الشمالية والدبة والارياف لم تعد ذلك الفضاء البريء الذي يحتمل المجاملة بل صارت ساحة مغلقة تحرسها العادة والتقاليد ويقودها الخوف وتدار بعقل جمعي لا يرى في السؤال الا خطرا ولا في العقل الا تهديدا لمواقعهم واراضيهم ونفوذهم الاجتماعي
في القري لا يعيش الفرد بوصفه فردا بل بوصفه ظلا للجماعة ومن يحاول ان يستعيد اسمه او صوته يعاقب فورا بالنسيان المقصود وبالتشويه الصامت وبالنبذ الذي لا يعلن عن نفسه لكنه يعمل بكفاءة قاتلة هنا لا تحتاج السلطة الى سوط فالكلمات تقوم بالمهمة والسمعة سكين بطيئة والسكوت المتواطئ حكم نهائي والمواطن عصا السلطة وصولجانها
يقال ان اهل القري طيبون لكن الطيبة التي لا تحتمل الاختلاف ليست فضيلة بل قناع والكرم الذي يتوقف عند حدود الفكر ليس قيمة بل عادة اجتماعية بلا روح فحين يرفع احدهم رأسا بفكرة تتحول الوجوه وتبدأ الطقوس القديمة نميمة تشكيك تخوين وادانة جماعية باسم الحرص وباسم العرف وباسم ما تعودنا عليه وألفينا ابائنا عليه
المتعلم الوافد في القرية مشروع متهم دائم مطلوب منه ان يبرر وجوده وان يخفض صوته وان يستخدم علمه لتجميل الرداءة لا لفضحها فان فكر عوقب وان صمت احتقر وان جامل استهلك ثم لفظ ..فالقرية والمدينة الدبةلا تريد عقولا حرة بل ابواقا مهذبة وشهود زور يزينون المشهد
بعد الحرب لم تستفق القري بل تشبثت اكثر بعنفها الخفي وتحول الخوف العام الى ايديولوجيا تبرر الاقصاء وتقدس التنميط وتعيد انتاج اسوأ ما في الجماعة وجرى تسخير من يملكون لغة او معرفة لقيادة القطيع لا لتحريره فصار القمع رأيا عاما والصمت واجبا اخلاقيا
اهل الارياف ليسوا ضحايا سذج بل شركاء في الجريمة يعرفون كيف يديرون العنف دون ان تتسخ ايديهم وكيف يحطمون الافراد وهم يوزعون السلامات ويخفون السكاكين في المجاملات فالبراءة هنا اداة سيطرة لا حالة اخلاقية
هذه القري لا تقتل المختلف مرة واحدة بل تقتله بالتقسيط تجعله يشك في صوته وفي حقه وفي عقله حتى يستسلم او ينسحب او يتحول نسخة مشوهة من نفسه وهنا لا يعود الصمت حكمة بل جريمة ولا يعود التكيف ذكاء بل خيانة للمعنى..
سلم علي اهل القري وقل لهم بلا مواربة ان القري ومدننا التي تخاف السؤال لا تستحق البقاء وان المجتمعات التي تحارب العقل محكوم عليها بالتكلس والزوال وان الثورة الحقيقية تبدأ حين يكسر هذا الصمت وحين يسحب الخوف من جذوره وحين يستعيد الفرد حقه في ان يقول لا دون ان يدفع ثمن وجوده
هذا ليس سبا ولا كرها بل اعلان قطيعة مع الوهم ومع القداسة الزائفة ومع الطمأنينة الكاذبة لمن وجدوا ما وجدوا عليه اباءهم فاما قري ومدن تتغير او تندثر ببطء تحت ثقل نفسها
