شيئًا فشيئًا، يكشف عبد الفتاح البرهان مشروعه السياسي الحقيقي

عثمان فضل الله يكتب ..
شيئًا فشيئًا، يكشف عبد الفتاح البرهان مشروعه السياسي الحقيقي؛ لا ذاك الذي باع به انقلابه في أكتوبر 2021، ولا الشعارات الفضفاضة التي غلّف بها حرب 2023، بل المشروع العاري كما هو: تمكين جديد للإخوان المسلمين، بواجهة عسكرية، ولغة استعلاء، ومنطق إقصاء.
البرهان لم يَخُن حلفاءه فجأة، بل استعملهم ثم رماهم جانبًا. أولئك الذين ظنّوا أنفسهم شركاء في الانقلاب، ثم شركاء في الحرب، اكتشفوا متأخرين أنهم لم يكونوا سوى كومبارس مرحلي. تجاوزهم في تشكيل الحكومة بلا تردد، ومكّن للإسلاميين بلا خجل، وحين همّ بتشكيل المجلس التشريعي جمعهم لا للتشاور، بل للتوبيخ. قال لهم بوضوح فظ: حلّوا خلافاتكم وتعالوا. لا احترام، لا شراكة، لا وزن سياسي.
وعندما ردّد أسطوانته القديمة: لا حزب كبير ولا حزب صغير، لم يكن يدعو للعدالة السياسية، بل كان يعلن نيّته إغراق المجلس بأحزاب ورقية؛ واجهات صُنعت في مطابخ الإسلاميين لتفريغ السياسة من معناها وتحويل التشريع إلى ديكور يُدار من خلف الستار. هذا ليس توازنًا، بل تحايُل سلطوي يعرفه السودانيون جيدًا منذ ثلاثين عامًا.
اليوم، يكشّر البرهان عن أنيابه بلا مواربة. يهاجم قيادات تحالف «صمود»، يصفهم بالعملاء والمتسولين بين العواصم، ويعلن – بكل غطرسة – أنه يمتلك مفاتيح البلاد، وأنه لن يسمح لهم بالعودة إلى وطنهم. هكذا، ببساطة، يتحول قائد الجيش إلى حارس بوابة الوطن، يقرر من يدخل ومن يُنفى، ومن هو وطني ومن يُجرّد من حقه الطبيعي في بلده.
هذا ليس خطاب دولة، بل خطاب ميليشيا سياسية. لا قانون يمنحه هذا الحق، ولا دستور، ولا شرعية. هي نفس اللغة التي أُسّس عليها انقلاب 2021: التخوين، الإقصاء، احتكار الوطنية، وخلط السلاح بالسياسة والدين. وهي ذات اللغة التي قادت السودان إلى هذا الخراب.
البرهان لا يريد أحدًا غير كيزانه. لا يؤمن بتعدد، ولا بمدنية، ولا بشراكة. مشروعه الوحيد هو إعادة الإسلاميين إلى السلطة بالقوة، بعد أن لفظهم الشارع وأسقطهم الشعب. ولذلك، فهو لا يرى في المدنيين خصومًا سياسيين، بل خطرًا وجوديًا. المدني الواعي أخطر عليه من أي بندقية.
لكن ما لا يريد البرهان – ولا «بني كوز» – أن يروه، أن هذا الطريق مسدود. لا خيار أمامهم للحكم سوى استدامة الحرب، لأن السلام يعني السياسة، والسياسة تعني المحاسبة، والمحاسبة تعني النهاية. لذلك سيطيلون أمد الدم، ويغلقون الأفق، ويبيعون الوهم.
غير أن التاريخ في السودان عنيد. كل من ظن أنه يملك مفاتيح البلاد اكتشف متأخرًا أن الشعب هو المفتاح. وكل مشروع يُبنى على الإقصاء والسلاح والحنين إلى دولة سقطت بثورة، مصيره السقوط… مهما طال الزمن.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.