مصر للمصريين… والذاكرة السودانية تاريخ التضامن الإنساني يختبر الشعب والدولة
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..
في الأزمات، تتجلى روح الشعوب بوضوح؛ بيوت تُفتح، أيادٍ تمتد، وقلوب تتجاوب مع الجار قبل السياسة. هذا هو اختبار مصر اليوم، حيث يتحرك الشعب بدافع إنساني، بينما تحاول الدولة موازنة الاستقرار و الأمن، وسط ذكريات تاريخية من التضامن السوداني مع المصريين في لحظات الازمات. ليست العلاقات بين الدول المجاورة مجرد خطوط وهمية على الخرائط، بل روابط بشرية تتقاسم التاريخ والجغرافيا و المصير المشترك. ففي الأزمات الكبرى، يُختبر هذا الرابط ليس بالتصريحات الرسمية فقط، بل من خلال استجابة المجتمعات وقدرتها على الحفاظ على توازنها الأخلاقي وسط المخاطر الاقتصادية و السياسية.العلاقةالمصرية–السودانية اليوم تمثل اختبارًا مزدوجًا؛ قدرة الإنسان قبل الدولة، وعمق الذاكرة قبل السياسة.
حين اندلعت الحرب في السودان، جاءت الاستغاثة من مشاهد إنسانية مباشرة؛ عائلات تهرب تحت القصف، أطفال بلا مأوى، وطلاب فقدوا جامعاتهم، ومرضى يبحثون عن مأوى قبل العلاج. استجاب الشارع المصري بسرعة، من خلال مبادرات فردية، و جمع المساعدات، وفتح المنازل، في نموذج حي لما يمكن تسميته بـ مصر الشعبية. لكن الدولة، بخلاف المجتمع، لا تستطيع العمل بالعاطفة وحدها. فمع تزايد الوافدين، كان على السلطات حماية الداخل دون إغلاق الأبواب تمامًا. فُتحت المعابر، سُهّلت الإجراءات، و وُضعت ضوابط واضحة للأمن و الإقامة. لم تكن العملية مثالية، لكنها جسدت التوازن بين الواجب الأخلاقي للمجتمع والمصلحة الوطنية. المجتمع المصري يعاني منذ سنوات من تضخم مرتفع و ضغوط معيشية متراكمة، وهذه الظروف تجعل أي عامل إضافي مصدر قلق، سواء على السكن أو الخدمات أو فرص العمل. وهنا ظهرت المخاوف المتفرقة، لكنها غالبًا انعكاس للضغوط الاقتصادية أكثر من كونها موقفًا عدائيًا ضد الوافدين. على الرغم من هذه التوترات، لم تتحول إلى صدامات واسعة. بل ظلّت تعبيرات عن مخاوف متفرقة، غذّاها غياب إرادة واضحة لإدارة الأزمة و إنهاء حرب السودان.
بعض الأصوات الإعلامية غير الرسمية ساهمت في تضخيم المشهد، عبر ربط وجود الوافدين بمشكلات اقتصادية، وهو ربط لا يصمد أمام التحليل الموضوعي. برز شعار مصر للمصريين، شعار حساس و قابل للتأويل. بعض الأصوات رأت فيه دعوة للإقصاء، بينما اعتبره آخرون صرخة حماية اجتماعية. التفسير المتوازن؛ الأولوية للمواطنين دون تجاهل الواجب الإنساني تجاه الآخرين.
ولا يمكن الحديث عن التضامن المصري–السوداني دون الإشارة إلى التضحيات الكبرى التي قدمها السودان لمصلحة مشروع السد العالي المصري. ففي ستينيات القرن الماضي، تم نقل ملايين من سكان المناطق المتأثرة بفيضانات النيل نتيجة إنشاء السد العالي، وتم غمر أراضٍ زراعية واسعة وطمس آثار حضارية وقرى تاريخية تعود إلى آلاف السنين. ضحى السودان بأراضيه ومجتمعاته لضمان استمرار المشروع الذي كان ركيزة لتطوير مصر، و هو مثال صارخ على التضامن الاستراتيجي بين الدولتين، حيث قدمت السودان ثمنًا بشريًا وحضاريًا باهظًا من أجل مصلحة الجار الشقيق.
ايضا يجب إستدعاء ذاكرة التاريخ حين كان السودان ملاذًا لملايين المصريين في القرن الماضي. عاشوا هناك، عملوا، واندمجوا في المجتمع السوداني، و استفادوا من الدعم البشري و السياسي، بما يشكل نموذجًا نادرًا للعلاقات الإنسانية بين شعوب متجاورة. فعلى المستوى العسكري، ساهم السودان بقواته خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 إلى جانب الجيش المصري، ليس دفاعًا عن حدوده فقط، بل عن كرامة عربية مشتركة. الجنود السودانيون دفعوا أرواحهم جنبًا إلى جنب مع المصريين، وهو دليل على عمق التضامن المشترك.
استحضار هذه الصفحات التاريخية ليس للمقايضة أو الابتزاز، بل لتأكيد أن العلاقات بين الشعوب تُبنى على تراكم طويل من التضامن، وأن لحظات الضيق لا تمحو ذاكرة السنين. كما فتح السودان أبوابه للمصريين في أزمنة الاستقرار، فإن التعاطف المصري مع السودانيين اليوم يجد جذوره في هذا الإرث الإنساني المشترك.
اليوم، تواجه مصر تحديًا مزدوجًا بين حماية الداخل والانفتاح الإنساني في الوقت نفسه. لا توجد حلول مثالية، بل تسويات قابلة للمراجعة. الدولة التي تُهمل مواطنيها تفقد شرعيتها، والتي تُغلق أبوابها بالكامل تفقد إنسانيتها. القرار السياسي يتحرك بين هذين الحدين، في مساحة رمادية تتطلب حكمة وقدرة على التواصل الصادق مع المجتمع.
أما الإعلام يلعب دورًا حاسمًا بين تهدئة و فهم السياق، أو تضخيم الصراعات وتحويل الأزمة الإنسانية إلى خصومات اجتماعية. المسؤولية تقع أيضًا على النخب السياسية التي تشرح الواقع و تخفف من الانقسامات.
ففي زمن الانهيارات الإقليمية، إدارة أزمات الجيران ليست رفاهية، بل ضرورة أمنية وسياسية. و الدول التي تهمل هذه المعادلة غالبًا ما تجد الأزمة داخل حدودها لاحقًا. عبارة مصر للمصريين تعكس الحكمة أن حماية المواطنين أولوية، دون إنكار للتاريخ أو لتضامن الجوار و التحدي الحقيقي هو الجمع بين الأمن و الضمير، وإدارة الأزمات بنفس عميق، لا بردود فعل سريعة.
فمصر للمصريين، نعم، لكن المصريين، كما شهد التاريخ وكما شهد لهم السودان، لم يكونوا يومًا بلا ذاكرة، ولا بلا وفاء، ولا بلا قدرة على التمييز بين الخوف المشروع و العدالة الواجبة.
