
حرب السودان وعلاقتها بحروب الربيع العربي: البحث عن الجذور المشتركة للمأساة الماثلة في السودان
الوزير المالية السوداني السابق ابراهيم البدوى يكتب ..
يُعَدّ السعي لفهم أسباب اندلاع الحرب في السودان وكيفية إنهائها السؤالَ الأكثر إلحاحاً في البلاد اليوم. وقد قيل الكثير عن العوامل الظرفية المباشرة، مثل القبضة الخانقة للجبهة الإسلاموية على الجيش وبقية الأجهزة النظامية، وما ترتّب على ذلك من قدرتها على هندسة مسارٍ منظم للثورة المضادة، بدأ بتشكيل الائتلاف السلطوي في أعقاب اتفاق جوبا لتقاسم السلطة، ثم التعطيل المنهجي لأداء الحكومة الانتقالية، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، ومن ثم اندلاع هذه الحرب المأساوية.
وعلى الرغم من أهمية هذا المنظور في توعية الرأي العام، وفي تمهيد الطريق مستقبلاً، بإذن الله الواحد الأحد، لمساءلة مرتكبي هذه الحرب عن جريمة “الخيانة العظمى” التي اقترفوها، إلا أنه لا يقدّم تفسيراً كافياً للأسباب العميقة التي تفسّر لماذا اندلعت الحرب في السودان وسوريا مثلاً، بينما تجنّبت دول أخرى من بلدان الربيع العربي، مثل مصر وتونس، الانزلاق إلى حمّام دم في أعقاب الانتفاضات الشعبية.
وقد تناول البروفيسور رولاند هودلر، من جامعة سانت غالن الألمانية، هذا السؤال في ورقة نظرية بعنوان ” الاقتصاد السياسي للربيع العربي” (https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/ecin.12550)، حيث صاغ وأثبت نظرياً فى سياق نموذج ما يسمى ب”نظرية اللعبة” (Game Theory) الأطروحات الثلاث الآتية:
الأطروحة الأولى:
مقارنةً بالأنظمة السلطوية في المجتمعات الغنية بالموارد الطبيعية التي يكون فيها حجم السكان المُقصَين من السلطة محدوداً نسبياً، فإن المجتمعات التي تشهد نسباً أعلى من الإقصاء السياسي تكون أكثر عرضة لاندلاع النزاعات المسلحة في أعقاب الإنتفاضات الديمقراطية الشعبية.
الأطروحة الثانية:
في المجتمعات الغنية بالموارد الطبيعية، تكون الأنظمة السلطوية القائمة على حكم الأقلية أكثر عرضة لاندلاع النزاعات بعد الإنتفاضات الديمقراطية الشعبية مقارنةً بالأنظمة السلطوية القائمة على حكم الأغلبية.
الأطروحة الثالثة:
غير أن العلاقة بين النزاعات من جهة، وكل من الإقصاء السياسي أو حكم الأقلية من جهة أخرى، قد تتسم بآثار غير خطية (غير رتيبة)، تبعاً لمستوى الوفرة في الموارد الطبيعية.
فى ورقة أكاديمية قيد الإعداد أسعى إلى وضع الربيع العربي في سياقه ضمن التاريخ العالمي الأوسع لموجات الإنتفاضات الشعبية، ومحاولة إختبار وتقييم الصلاحية التجريبية لتنبؤات البروفيسور هودلر النظرية، وذلك باستخدام بيانات عالمية تغطي ثلاث موجات كبرى من التحول الديمقراطي.
هذا المقال عبارة عن ملخص مبسطٍ لنتائج تحليل ورقتى الأكاديمية المذكورة لهذه البيانات، يحتوى على أدلة وصفية حول العلاقة بين التعبئة الجماهيرية، والإقصاء السياسي، والموارد الطبيعية، والنزاعات العنيفة. وفى هذا السياق يهدف المقال إلى معالجة قضيتين: أولاً، توثيق السمات العامة لتوقيت وحدّة النزاعات التي رافقت موجات التحول الديمقراطي الكبرى؛ وثانياً، تقييم مدى اتساق هذه الأنماط مع التنبؤات النظرية لنماذج حديثة في نظرية اللعبة، تؤكد على التفاعل بين الإقصاء السياسي، وحكم الأقلية مقابل حكم الأغلبية، ومستوى الوفرة في الموارد.
موجات التحول الديمقراطي وديناميات النزاعات في منظور مقارن:
كما أشرنا أعلاه شهد العالم منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي ثلاث موجات كبرى من التعبئة الشعبية من أجل الديمقراطية: انهيار الاتحاد السوفيتي (1989-1991)، والربيع العربي (2010-2012)، وموجة الاحتجاجات العالمية في عام 2019. وتمثل هذه الموجات طفرات حادة في حجم وتنسيق التعبئة الجماهيرية واسعة النطاق عبر الدول.
وتُظهر البيانات أن كل موجة من هذه الموجات ارتبطت بزيادة في المعدل العالمي للعنف المنظم والحروب الأهلية، غير أن حجم هذا العنف واستمراريته يختلفان بشكل ملحوظ بين الموجات. فقد أعقب التحول بعد الحرب الباردة ارتفاعٌ متوسط وقصير الأمد نسبياً في النزاعات، في حين ارتبط كلٌّ من الربيع العربي وموجة احتجاجات 2019 بمستويات أعلى وأكثر استدامة من العنف، لا سيما الحروب الأهلية. وتشير هذه التباينات إلى أن التعبئة الديمقراطية وحدها لا تكفي لتفسير مآلات النزاعات، بل إن الشروط السياسية والاقتصادية الكامنة هي التي تحدد ما إذا كانت التعبئة ستفضي إلى انتقال سلمي، أو قمع دموي، أو انهيار الدولة.
ويتسق هذا الاستنتاج مع الإطار النظري المشار إليه أعلاه، والذي يفترض أن استجابة الأنظمة السلطوية للتعبئة الجماهيرية تعتمد بصورة حاسمة على التكوينات الإثنية-السياسية، وعلى قدرة النظام على تحمّل كلفة القمع أو الاستيعاب.
الإقصاء السياسي، حكم الأقلية، ومخاطر النزاعات:
تركّز النظرية السائدة على المظلومية السياسية – المتمثلة في الإقصاء من السلطة وعدم تكافؤ توزيع القوة السياسية – بوصفها محركاً مركزياً لكلٍّ من الانتفاضات الشعبية والنتائج العنيفة. وتُظهر البيانات تبايناً واسعاً بين مجموعات الدول في كلٍّ من نسبة السكان المُقصَين من السلطة ودرجة عدم المساواة في توزيع القوة الاجتماعية. وتبرز الدول العربية كحالة متطرفة، إذ تسجل أعلى مستويات الإقصاء السياسي وأكثر الهياكل السلطوية اختلالاً بين الجماعات الاجتماعية.
وتشير الأدلة المستمدة من تجارب الدول إلى أن البلدان التي تفوق فيها نسبة السكان المُقصَين الوسيط العالمي تشهد معدلات أعلى بكثير من النزاعات عموماً، ومن الحروب الأهلية على وجه الخصوص، خلال الفترة 1989-2023. وبالمثل، تُظهر الأدلة أن الدول التي تتسم بحكم الأقلية – حيث تحتكر جماعة اجتماعية السلطة السياسية بما يفوق وزنها الديمغرافي – ترتبط باحتمالات أعلى بصورة ملحوظة لاندلاع النزاعات والحرب الأهلية.
وتتوافق هذه الأنماط بدرجة وثيقة مع الأطروحات المذكورة أعلاه. وبلغة النموذج الموسّع، تواجه المجتمعات التي تتسم باتساع قاعدة الإقصاء وحكم الأقلية السلطوي حوافز أقوى لاستخدام القمع العنيف عقب التعبئة الديمقراطية. فالأقليات المسيطرة على الدولة لديها ما تخسره من التحول الديمقراطي، وبالتالي تحتاج إلى تعويض أقل للانخراط في العنف دفاعاً عن النظام، ما يجعل القمع خياراً ميسوراً وجاذباً عندما لا تكون عائدات الموارد مرتفعة جداً أو منخفضة جداً. ففي الحالة الأخيرة، تعجز النخب السلطوية عن تمويل العنف، فتضطر إلى التنحي، بينما في الحالة الأولى تستطيع عملياً شراء الاستقرار دون الحاجة إلى مغادرة السلطة.
الربيع العربي كاختبار حرج للأنظمة الإقصائية:
يمثل الربيع العربي اختباراً كاشفاً بصورة خاصة للآليات التي يبرزها هذا الإطار النظري. فبالنظر إلى المستويات القصوى من الإقصاء السياسي وعدم تكافؤ توزيع القوة في جزء كبير من العالم العربي، يتنبأ النموذج بارتفاع احتمالات الاستجابة العنيفة للأنظمة وعدم الاستقرار بعد التعبئة، لا سيما خارج الأنظمة الملكية ذات الموارد الاستثنائية.
وتؤكد الأدلة المستمدة من تجارب الدول هذا التنبؤ. فمقارنةً بموجات التحول الديمقراطي الأخرى، ارتبط الربيع العربي بأعلى معدلات من النزاعات والحروب الأهلية، وبأكبر عدد من الضحايا. علاوةً على ذلك، استمر العنف لفترة طويلة بعد مرحلة التعبئة الأولية، بما يتسق مع الانتقال من الاحتجاج إلى نزاعات أهلية ممتدة، وفي بعض الحالات إلى انهيار الدولة. ويصعب تفسير هذا النمط اعتماداً على تفسيرات أيديولوجية أو ثقافية بحتة، لكنه يصبح مفهوماً عند النظر إلى التفاعل بين التعبئة الجماهيرية وبُنى الإقصاء السياسي الراسخة.
ريع الموارد الطبيعية والآثار غير الخطية:
تتمثل إحدى الإسهامات المركزية للنموذج الموسّع في التنبؤ بآثار غير خطية لريوع الموارد الطبيعية على مخاطر النزاعات. فالمستويات المتوسطة من الريوع قد تموّل القمع وتزيد من احتمالات العنف في مواجهة التعبئة، بينما قد تمكّن المستويات العالية جداً الأنظمة من شراء السلم الاجتماعي عبر الإنفاق على المصالح العامة والحماية الاجتماعية كآلية فعالة للاستيعاب الوقائي.
وتُظهر الأدلة أن تقسيم الدول عند الوسيط العالمي لنصيب الفرد من ريع الموارد الطبيعية لا يكشف عن فروق ذات دلالة إحصائية في معدلات النزاعات أو الحروب الأهلية، ما يشير إلى أن الفروق المعتدلة في الوفرة وحدها لا تغيّر المخاطر بشكل منهجي.
غير أن نمطاً مختلفاً نوعياً يظهر عند التركيز على أكثر الدول ثراءً بالموارد، باستخدام الشريحة العليا (95 في المئة) من التوزيع. فهذه الدول تسجل معدلات أدنى بكثير من النزاعات والحروب الأهلية خلال معظم الفترة، بما يتسق مع تنبؤ النموذج بأن الريوع المرتفعة جداً تمكّن الأنظمة – خصوصاً القائمة على حكم الأغلبية أو تلك التى تتمتع ب”شرعية الصيرورة التاريخية” – من الاعتماد على الإستثمار فى المصالح العامة والحماية الاجتماعية بدلاً من العنف. ومع ذلك، يضعف هذا الأثر الوقائي في مرحلة ما بعد الربيع العربي، حيث تبدأ معدلات النزاعات في التقارب بين الدول الغنية بالموارد وغيرها، بما يشير إلى حدود قدرة الريع على شراء الاستقرار في ظل تعبئة كثيفة وواسعة النطاق.
خلاصة ودلالات للاختبار التجريبي:
في المجمل، تؤكد الأدلة الوصفية بدرجة عامة التنبؤات النظرية للأدبيات الحديثة. فموجات التعبئة الديمقراطية ترتبط بصورة منهجية بارتفاع مخاطر النزاعات، غير أن هذه المخاطر تتحدد بشدة وفقاً لدرجات الإقصاء السياسي، وطبيعة الحكم (أقلية أو أغلبية)، ومستوى الوفرة في الموارد الطبيعية. ويبرز الربيع العربي لا بوصفه حالة شاذة، بل كتجسيد متطرف لهذه الآليات في إقليم يتسم بعمق الإقصاء، وبمحدودية الريوع – خارج دول مجلس التعاون الخليجي – عن تمويل استيعاب سلمي مستدام ولكن بقدرٍ كافٍ لتمويل مؤسسات ممارسة العنف العسكرية-الأمنية وتوابعها من المليشيات.
بإذن الله، سنتناول في المقال القادم إسقاط هذه الرؤية النظرية-التجريبية على القواسم المشتركة بين نظامي البعث العلوي في سوريا والجبهة الإسلاموية البائدين، ونسعى إلى تفسير لماذا نجحا في إشعال الحروب والحفاظ على السلطة، ولو مؤقتاً في حالة سوريا، ومازال الحبل على الجرار فى حالتنا، في حين عجز نظاما حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس عن سلوك هذا المسار، واضطرا إلى تسليم السلطة مكرهين، “أخاك لا بطلاً”.

الله غالب على امره ويفعل مايريد لعل الله يحدث من بعد ذلك أمرا
الله غالب على امره ويفعل مايريد لعل الله يحدث من بعد ذلك أمرا