هل تطورت مهام بنك السودان المركزي بالمقارنة مع مهام البنوك المركزية في نهايات العصور الوسطى لاوروبا؟
الخبير الاقتصادي دكتور وائل فهمي بدوي يكتب ..
مع نهاية العصور الوسطى المتأخرة (Late Middle Ages):
المدى: من القرن 14 إلى القرن 15 الميلادي التي بدأ فيها النظام المصرفي الحديث في الظهور وتحديداً في مدن إيطاليا التجارية (مثل فلورنسا، البندقية، وجنوة). ومن المثير للاهتمام أن كلمة “بنك” (Bank) نفسها تعود لهذه الحقبة.
ومع بداية النهضة الصناعية باوروبا عموما والادعاء باكتشاف امريكا وتدفق الذهب بكثافة للقارة الاوروبية، خاصة باسبانيا، ظهر أول بنك مركزي في العالم هو بنك السويد المركزي (Sveriges Riksbank)، وقد أُنشئ وفقاً للتفاصيل التالية:
تأسس اول بنك مركزي عام 1668م بمدينة ستوكهولم، في مملكة السويد. حيث كانت بداية إنشائه تحت اسم “بنك طبقات المملكة” (Riksens Ständers Bank) ليحل محل “بنك ستوكهولم” (Stockholms Banco) الذي كان قد أفلس قبل ذلك بفترة وجيزة. كان الهدف من إنشائه هو منع الأزمات المالية وضمان استقرار النظام المصرفي السويدي، *وقد وُضع تحت إدارة البرلمان السويدي مباشرة لضمان عدم تدخل الملك في شؤونه المالية* . وتلا ذلك بنك إنجلترا (Bank of England) الذي تأسس عام 1694م، ويعتبره الكثيرون النموذج الأول للبنك المركزي “الحديث” لأنه كان أول من وضع قواعد إصدار العملة النقدية والتحكم في السياسة النقدية بشكل متكامل. وتلاه تاسيس بنك فرنسا (Banque de France) عام 1800م على يد نابليون بونابرت بهدف تحقيق الاستقرار المالي بعد الثورة الفرنسية.
كانت المهام قديماً (البدايات)
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، تتمحور حول أهداف محدودة جدا ومرتبطة غالباً باحتياجات الدولة المتمثلة في تمويل الحروب والحكومات، “كبنك إنجلترا”، مثلا، في إقراض الحكومة الأموال لتمويل الحروب والأنشطة العسكرية وإصدار العملات الورقية كجهة وحيدة مخول لها (أو من القلائل) بتحويل الذهب والفضة إلى عملات ورقية وتأمين قيمتها وإدارة الديون العامة بتنظيم وتسديد ديون الدولة تجاه المقرضين والحفاظ على معيار الذهب كمهمة اساسية من خلال التأكد من أن كل ورقة نقدية يقابلها وزن معين من الذهب في خزائن البنك.
وذلك بالمقارنة مع المهام في العصر الحديث اليوم حيث أصبحت البنوك المركزية هي “المايسترو” الذي يدير اقتصاد الدولة بالكامل، وتتركز مهامها في رسم السياسة النقدية عبر التحكم في “سعر الفائدة” صعوداً وهبوطاً للسيطرة على الاقتصاد ومكافحة التضخم كهدف أسمى لمعظم البنوك المركزية للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان عدم انهيار القوة الشرائية للعملة وتعمل كمقرض أخير (Lender of Last Resort) في حال تعثرت البنوك التجارية (مثل بنوك الأفراد) بحيث يتدخل البنك المركزي لإقراضها ومنع انهيار النظام المالي ككل، بالاضافة الى إدارة الاحتياطيات الأجنبية بالاحتفاظ بالذهب والعملات الصعبة (مثل الدولار واليورو) لدعم استقرار سعر صرف العملة الوطنية بالخارج وتأمين الواردات الى جانب الرقابة على البنوك بوضع القوانين التي تلتزم بها كافة البنوك العاملة في الدولة لضمان حماية أموال المودعين.
باختصار، قديماً كان البنك المركزي يعمل كـ “خزينة للدولة” وممول لحروبها وحديثاً أصبح البنك المركزي “صمام أمان للاقتصاد”، يهدف لاستقرار الأسعار وحماية النظام المالي من الأزمات.
*كما بعصور ما قبل ظهور مهام البنوك المركزية الحديثة، ظل الاقتصاد السوداني يعاني، كما المشاكل الاقتصادية الكلية للعصور الوسطى، من تدهور مستدام في الجنيه السوداني والازمات الاقتصادية المتلاحقة وتفاقم ديونه الداخلية والخارجية وتفاقم ازمات التضخم الذي اصبح سياسيا الان واستمرار تمويل الحروب الاهلية بطباعة النقود بلا نهاية والخضوع لارادة السياسات الاجنبية منذ وصول النيوليبراليين الجدد لحكم البلاد في اواخر السبعينيات وحتى تاريخه، تحت المبرر (الذي اثبت وهميته عمليا) لاستدامة سداد الديون، خاصة، الاجنبية ودعم الامن القومي للبلاد.* *فكيف يمكن تصنيف مهام بنك السودان المركزي الان؟ هل مهام بنك السودان المركزي قديمة ام حديثة ام جامعة ام مختلفة، اي في اي خانة للبنوك المركزية (القديمة ام الحديثة) خاصة بعد اعادة قراءة منشور السياسات التمويلية والنقدية لعام ٢٠٢٦، خاصة الجزئية الخاصة “الادوات التقليدية وغير التقليدية” بالصفحة العاشرة من المنشور؟*
هذا ما سنحاول الاجابة عليه لاحقا.
