سرديات..

الزاكي عبد الحميد أحمد يكتب ..

والمترفون الهانئون يقهقهون و يضحكون

هكذا قال شاعرنا الكبير محي الدين فارس، فاكتفيتُ بما قال، دليلا على ما هو آتٍ..

*Objectification*

هذه الكلمة الانجليزية، يتمنى الاوروبيون، لو أنها أزيلت من قواميسهم، حتى لا يطّلع اطفالُهم على مدلولاتها، فيكتئبون ثم يموتون، جراء ما اقترفه أجدادهم من جرم بشري، فاق كل تصور إنساني، في حق بشر مثلهم: بساقين وذراعين وعينين وعقل يميز به الحق عن الباطل والجيد عن السيء..ولكن هؤلاء التعساء ما كانوا في نظر المترفين، سوى أشياء..

روايتي الأخيرة؛ والتي سأرسلها لك (ولكن بشرط أن أستلم منك أولا مقالك عن عيد الاستقلال في بلادي)، تحمل عنوان:
*Objectification..*

هذا صديق من مدينة بلانتاير في ملاوي، يرد على قصيدة شاعرنا الكبير محي الدين فارس، التي اسماها لن أحيد..

جيمس انجوجي صديق صحافي من ملاوي، مهموم بافريقيا وماضي انسانها التعيس (تعرفت عليه خلال دورة تدريبية في دلهي، اوفدتني إليها وكالة اليودان للأنباء في منتصف سبعينيات القرن الماضي)…طلب مني قبل أشهر ان أشارك بمقال يحكي عن نضالات القارة السمراء ضد الاستعمار، بقصد نشره في ملحق خاص يقوم باعداده، بمناسبة العيد الوطني لبلاده في السادس من يوليو من كل عام..

من محاسن الصدف، أنني كنت قد ترجمتُ قبل أسابيع من استلام رسالته، قصيدة محي الدين فارس *لن أحيد* إلى الإنجليزية، وعرضتها على مترجمين ثقات فأشادوا بها..رأيت أنها الأنسب لتلبية طلب هذا الصديق، فارسلتها له مع مقدمة عن القصيدة؛ فنالت هوى في نفسه وكانت مصدرا لحديثه عن روايته الموسومة ب *Objectification*
والتي تعني التشيؤ..أي جعل الإنسان مجردا من كل ما يميزه، كإنسان، عن غيره من الحيوانات والحشرات، وجعله شيئا لا فرق بينه وبين أي تحفة تعرض في المتاحف، ويأتيها المترفون للترويح عن انفسهم بمشاهدة معروضات المتحف، ومنها الإنسان!

رواية الصديق الملاوي، تدور حول متحف أنشأه الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، في بروكسل عام ١٨٩٧..ضم المتحف مواد تراثية من دولة الكونغو إلى جانب حيوانات ومقتنيات اخرى غير أن الزوار كانوا لا يكترثون لا بالحيوانات ولا بالمعروضات، بل كانوا يسرعون الخطى نحو ركن، شيد من القضبان الفولاذية بمساحة ٣٥٠ مترا مربعا، أطلق عليه الملك بنفسه اسم ” الحديقة البشرية”.. !!
*The Human Zoo*
الحديقة البشرية كانت تضم مئتين وسبعة وستين كنغوليا من الرجال والنساء أجبروا على العيش عراةً -كما ولدتهم أمهاتهم- على العيش في نسخة طبق الأصل من قرية افريقية، لا يميز فيها الرجل الاوروبي النقي الجينة البشرية، البشرَ من الحيوانات، التي كانت تعيش معهم وتاكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون..

قال صديقي في روايته إن المعرض كان جزءا من جهود الملك ليوبولد في *المهمة الحضارية* التي كانت مملكة بلجيكا تقوم بها في أدغال الكونغو!

كان المترفون يأتون للحديقة البشرية ليشاهدوا ما يعتبرونه معروضات، ويضحكون حين يتناول بعض هؤلاء التعساء، ما تمده لهم الأيدي المترفة من خبز حاف! يضحكون مع اطفالهم ويشيرون إلى الطريقة التي تتناول بها هذه “الأشياء” ما يقدم لها من خبز حاف وبقوليات.. ثم يقهقهون..
يضحكون..ويضحكون..

يقول الصديق الملاوي إن الملك ليوبولد باع لحكومة بلجيكا الكونغو وانسانها، بمبلغ مئة مليون فرنك، حين اشتدت عليه الضغوط من الحكومات الاوربية، للتوقف عن ممارساته غير الأخلاقية في حق الافارقة التعساء..

يقول صديقي جيمس في رسالته، إن عشرة من هؤلاء التعساء ماتوا لا بسبب الجوع أو العطش ولكن بسبب الاذلال الكاوي الذي كان يؤذيهم كبشر، حين يأتي المترفون ويلتقطون لهم صورا بجانب القرود وهم يضحكون..

أشار الصحافي في حديثه معي إلى أن فيليب ملك بلجيكا؛ لم يقدم اعتذارًا رسميًا عن الأعمال الوحشية التي ارتكبت في الكونغو، خلال الحكم الاستعماري البلجيكي، لكنه عبر عن “أسفه العميق” للجراح الناجمة عن تلك الأعمال. في يونيو 2020، كتب الملك فيليب رسالةً إلى الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، عبر فيها عن أسفه للاستغلال والعنصرية وأعمال العنف التي ارتكبت خلال الاستعمار البلجيكي للكونغو. ومع ذلك، لم يتضمن البيان اعتذارًا رسميًا..

لماذا يا صديقي الافريقي لم يقدم الملك فيليب اعتذارا رسميا يا ترى؟

Dear Zaki why do you think the king failed to present a formal apolgy?

افحمني الرجل بسؤاله العميق المغازي!

ثم..
في السياق ذاته جاءت *سلوى*..

*نسأل سلوى بس*!
*عارف راسك ناشف وماب تقتنع*!

هذا زميلي في الدراسة الجامعية-الأدب الانجليزي- محمد خوجلي؛ من أهالي شمبات؛ حين اشتد الجدال بيننا، حول تفسير كل منا لنبوءات الاخوات الساحرات الثلاث، في مسرحية ماكبث لشكسبير ..

شخص هاديء الطباع..لا يتحدث كثيرا..إن سألته أجابك بقدر المطلوب لا زيادة ولا نقصان!

كان يؤدي أغنيات خضر بشير بطريقة جميلة في الرحلات..

كليوفاس من الجنوب..
فهد الفلسطيني..
محمد خوجلي..
وسلوى..
هذه كانت مجموعة النقاش التي تضمني معهم..المجموعة tutorial تعقد جلساتها مرتين او ثلاث مرات في الأسبوع لمناقشة ما درسناه في المحاضرة السابقة..يتولى أحد أعضاء المجموعة- بتكليف من المحاضر- اعداد نقاط تتناول محاسن الرواية او (مساوئها) إن وُجدت، كما استعرضتها المحاضرة؛ وكما يرى هو من وجهة نظره..هكذا بدأنا نتعلم شيئا عن النقد كيف يكون!

نسأل سلوى بس!
فالقول ما قالت سلوى!
ألم تقل العرب *في بيته يؤتى الحَكَم*؟

سلوى كانت الحَكَم الذي نقصده حين تدلهم الأمور ويستعصي علينا فهم تهويمات ماكبث وساحراته!

كليوفاس كان لا يروق له اقبالنا على سلوى لشرح أمر ما؛ فهو يرى أن نقر له بعلو كعبه هو لا هي!

سلوى من اهلنا الأقباط..
قصيرة القامة تكاد لا تميزها عن تلميذات مدرسة ثانوية إن وجدت بينهن..
نظارة سميكة العدستين تخفي عينيها..
شعر منفوش..
سلوى لا تهتم بمظهرها فالاهم لديها الدراسة والتفوق..فكان لها ما ارادت حتى صارت الحكم الذي يؤتى اليه في بيته..
سلوى لا تبخل بما لديها من معلومة إن سئلت..
حتى مستر ويلش لا تروق له حلقة النقاش، إن لم تكن بيننا سلوى..

دخل ويلش غرفة المحاضرات رقم ١٠٥ في كلية الآداب..غرفة صغيرة كانت تستغل لحلقة النقاش متى كانت غير مشغولة..

*لم ترق لي هذه الاقصوصة؛ فما رأيكم*؟

هكذا بدأ ويلش (وهو المحاضر) حلقة النقاش في ذلك الصباح الخريفي الممتع في مطلع سبعينيات القرن الماضي (١٩٧١)..

سلوى هي من ستدير النقاش:
رواية سيئة أم جيدة؟
فإن كانت سيئة في نظرك، فما هي الأسباب؟ وإن كانت غير ذلك فلم هي كذلك؟

رواية *قلب الظلام* The Heart of Darkness لمؤلفها البريطاني من اصول بولندية، جوزيف كونراد، اقامت الدنيا ولم تقعدها إلى يومنا هذا!

فنقاد سوق الادب في الغرب، يصنفونها ضمن اعظم الاعمال الكلاسيكية في اللغة الانجليزية، فيما يرى الافارقة؟ ومعهم بعض المستشرقين، ان المؤلفَ تحامل على الافارقة، وان روايتَه مترعة بحقد جعل الافريقي يبدو تماما كالحيوانات التي تشاركه الغابة!

تناول كونراد في روايته موضوعات معقدة تتعلق بالاستعمار والإنسانية. واستند في روايته إلى تجربته الشخصية كبحار في أفريقيا، ولكنه دمج هذه التجربة بخيال أدبي..بمعنى ان القاريء للنص كمادة ابداعية صنعها الخيال؛ يجد ان الرواية لا غبار عليها ولكن حين يعرف ان المؤلف يكتب عن تجربة عاشها بنفسه، وبالتالي كانت الآراء التي تبناها هي من واقع تجربته، فالقاريء حينها يكون امام ثنائية ambiguity في الطرح جعلت الرواية تتأرجح بين الواقع والخيال وتعقّد مغازيها لمن اراد فك طلاسمها، لا سيما لطلبة حديثي عهد بالدراسة الجامعية كحالنا يومئذ.

سلوى في ورقتها التي اعدتها تناولت جزيئية التضاد هذه :

استخدام كونراد للضوء والظلام يرمز إلى المعرفة والجهل (أي الاستعمار ممثلا بالضوء وأفريقيا ممثلة بالجهل)… الرحلة عبر الغابة المظلمة تشير إلى الانغماس في الجهل البشري (حياة الافريقي في الغابة) وفساد المستعمر باستغلال هذا الجهل لأبعد ما تكون السخرة.

الرواية حسبما ما قالت سلوى، تظهر كيف يمكن للقوة (الاستعمار) أن تُفسدَ الإنسانيةَ، وتطرح بالتالي تساؤلات حول المسؤولية الفردية.

أشاد المحاضر ويلش بالخلاصة الذكية التي توصلت إليها سلوى، ونحن كما على رؤوسنا الطير، سكوناً واعجابا، بمستوى سلوى واستيعابها لنصٍ اعتبرناه نحن، (باستثناء كليوفاس) أمراً إدّا..

خلصت سلوى في حديثها إلى أن الرواية أساءت للأفريقي وحطت من قدره كبشر؛ بل أنها تقول لولا الاستعمار، لظل الافريقيُّ في غيّه سادرا، تماما كالحيوانات التي تشاركه الغابة..

في نهاية الحلقة ويلش يسأل سلوى:
دفاعك عن الأفريقي يقول وكأنك أفريقية؛ هل تعتقدين أنك افريقية؟
اخلت سلوى مقعدها في ذلك اليوم وغادرت الغرفة، قبل المحاضر، وهو ما لم يكن مسموحا به!
سلوى غادرت مغاضبة..
احست ان سؤال ويلش جردها من احقيتها كمواطنة سودانية افريقية!

ثم مرت السنوات..

في صالة الصقر الذهبي في مطار المنامة تعرض للمسافرين الصحف الخليجية أمام كشك صغير يبيع الكتب والروايات..

وجدت كتابا ضخما..لفت نظري اليه غلافه، حيث كانت صورة لشاب أفريقي بدا لي وكأنه يهتف..تصفحته..حمل الكتاب عنوانا يقول:
شبح الملك ليوبولد الثاني..
King Leopold Ghost..
وجدت ان الناشر يشير في غلاف الكتاب من الداخل إلى رواية قلب الظلام..الرواية التي أذهلتنا سلوى بشرحها العميق أيام الطلب..اشتريت الكتاب..

قال مؤلف هذا الكتاب إن ما قاله كونراد عن الفظاعات التي ارتكبها المستعمر بوحشية ضد الأفريقي، ومحاولته (من واقع التجربة التي شهدها في رحلته عبر نهر الكونغو) ايحاد تبرير لتلك الافعال البربرية، كان سببا مباشرا، لقيام لوممبا بمقاومة الوجود الغربي في بلاده..صورة الافريقي المتخلف كما رسمها كونراد، بما يشبه اللا وعي، في راويته كانت دافعا للوممبا للتحريض ضد المستعمر ويشعل الحماس في صدور أهله الأفارقة ليثوروا ضد بلجيكا ومليكها ليوبولد الثاني..

الكتاب يشير أيضا إلى الرسالة التي كتبها لوممبا لزوجته قبل مقتله بأيام..كان لوممبا وقتئذ في حماية الكتيبة السودانية التي كانت هناك ضمن قوات حفظ السلام..حكومة عبود وأحمد خير المحامي؛ كما يقول الراحل صلاح أحمد ابراهيم؛ كانت ضالعة بشكل غير مباشر في مقتل لوممبا!

غير أني وجدت تباينا بين نص الرسالة كما اورده مؤلف كتاب شبح الملك ليوبولد ونصٍ كان ضمن برقيات، افرجت عنها المخابرات الغربية، بعد انقضاء فترة احتجازها؛ سبق ان ترجمته لمركز دراسات خليجي في سنوات الاغتراب..لم أجد إشارة لضلوع حكومة عبود في مقتل لوممبا ولكن الكنداكة السودانية كان لها رأي غير ذلك..كانت حناجر حسناوات الخرطوم تردد في مطلع الستينيات، في بيوت الأعراس، أغنيةً لا تخلو من تلميحات سياسية:

كم وكم سألوا..
لوممبا مين كتلو..
تشومبي هو الكتلو..
فات يعزي في أهلو..

ثم مرت السنوات..

وجدت صدىً لما قالته زميلتنا سلوى يومذاك، في مقال نشره شيخ الرواية الافريقية *شينوا أشيبي* بعنوان *صورة عن افريقيا An Image of Africa*:

Chinua Achebe critiqued Joseph Conrad’s “Heart of Darkness” primarily for its portrayal of Africa and Africans. In his essay “An Image of Africa,” Achebe argued that Conrad dehumanizes African people, depicting them as primitive and savage. He believed this perspective reflects colonial attitudes and reinforces harmful stereotypes. Achebe called for a more nuanced understanding of African cultures and a rejection of narratives that portray the continent merely as a backdrop for European experiences. His critique emphasizes the need for African voices and stories in literature.

اعترض شيخ الرواية الأفريقية على أسلوب كونراد في وصف الافارقة ب:
*Animalistic Imagery..*
أي تصويرهم كحيوانات، وهو وصف لا يبعد كثيرا في مغازيه عن *الحديقة البشرية*، التي أنشأها الملك ليوبولد، ليسعدَ بها شعبَه ب “أشياء” ما شاهدوها من قبل!..
*فيقهقه المترفون الهانئون ..يقهقهون ويضحكون*..

ما قاله الروائي النيجيري في مقاله، كان هو السبب الذي جعل زميلتنا القبطية تغادر قاعة المحاضرات مغاضبة رغم توسلات مستر ويلش لها بالعودة ولكن دون طائل!

سلوى السودانية القبطية درست المرحلة الثانوية في الراهبات؛ لذلك لم يكن مستغربا إن كانت لغتها الانجليزية افضل بكثير من مستوى المامنا بالانجليزية حينئذٍ ..

أين سلوى يا ترى الآن؟

ربما جرفتها تيارات الهجرة، التي اجبرت الجاليات اليهودية والقبطية إثر تقلبات سياسة النميري؛ على التوجه لمرافيء بعيدة عن وطن أحبوه وساهموا بفاعلية في نهضته ونمائه!

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.