حكاية ثلاث مدن – مروى ونيالا وبورتسودان – في سياق الانتقال النهضوى من ضيق “عسكرة السياسة” إلى آفاق الاقتصاد الرحبة (2)
الوزير المالية السوداني السابق
إبراهيم البدوي عبد الساتر يكتب ..
فى سياق “حكاية الثلاث مدن – مروى ونيالا وبورتسودان” خصصت مقالى السابق لمدينة بورتسودان وساحل بحرها الأحمر. إلا أن بورتسودان لم تكن وحدها في قلب هذه الحرب، بل شاركتها مدينتان أخريتان مهمتان في صدارة المشهد، كلٌ بطريقته: نيالا ومروي. فقد تحوّلت بورتسودان ونيالا إلى عاصمتي سلطتي الأمر الواقع، فيما برز اسم مروي ومطارها العسكري بوصفهما عنصراً ثابتاً في يوميات الصراع. ومن المؤكد أن هذه المدن ستظل ذات أهمية سياسية وعسكرية حتى بعد توقف القتال – نسأل الله أن يكون قريباً – غير أن اختزال دورها في هذا البعد وحده يُفوّت جوهر السؤال الأهم: ماذا بعد الحرب؟
هنا يلوح الأفق الآخر، الأعمق والأبعد أثراً، الذي استحضره الوجدان الشعبي في نبوءة العارف بالله الشيخ فرح ود تكتوك، حين صوّر لحظة الخراب بوصفها مقدمة لانفراج لاحق، تعود فيه البلاد إلى العمران والسلام وتغدو مقصداً للناس. وإذ تُفهم هذه الأقوال في سياقها الرمزي والروحي، لا كنصوص تاريخية حرفية، فإنها تعبّر – اليوم أكثر من أي وقت مضى – عن توقٍ جماعي للخروج من منطق الحرب إلى أفق البناء.
في هذا المقال، ننتقل من الساحل إلى الداخل، لنتناول نيالا باعتبارها قلباً اقتصادياً واجتماعياً لإقليم دارفور، ومروي بوصفها عقدة جغرافية وتاريخية واعدة في شمال السودان. وسنحاول أن نقرأ المدينتين لا من زاوية الحرب والعسكرة، بل من منظور الإمكانات الكامنة، ودورهما المحتمل في مشروع المدن المنتجة، بوصفه مساراً عملياً للانتقال من اقتصاد الصراع إلى اقتصاد النهضة، ومن الجغرافيا المنكوبة إلى الجغرافيا المُنتِجة.
نيالا “البحير”: من مركز رعوي تقليدي إلى منصة إقليمية للحوم والمنتجات الطازجة
تُعدّ نيالا ومجالها الجغرافى إحد أكبر مراكز تربية الأبقار في السودان، وقلباً اقتصادياً لإقليم دارفور بما يملكه من كثافة عالية من الثروة الحيوانية، وأسواق تقليدية راسخة، وشبكات تجارة ممتدة عبر غرب أفريقيا. غير أن هذه المزايا ظلت تاريخياً حبيسة نمط إنتاج أولي ذو قيمة مضافة ضعيفة، بسبب غياب البنية التحتية الحديثة، واضطراب الأوضاع الأمنية، وانقطاع المدينة عن سلاسل التصدير المنظمة. وفي سياق مشروع المدن المنتجة، تبرز نيالا اليوم كمرشحة طبيعية لتحول نوعي يجعلها مصدراً إقليمياً للحوم الطازجة والجلود، ومنصة لتصدير الفواكه والخضروات.
أولاً، قاعدة إنتاج حيواني ضخمة وفرصة صناعية كامنة: يمتد الحزام الرعوي حول نيالا عبر مساحات واسعة من جنوب ووسط دارفور، حيث تتوافر قطعان الأبقار والضأن بكثافة، وتقاليد راسخة في التربية والتجارة. هذه القاعدة توفر أساساً متيناً لصناعات واعدة تشمل المسالخ الحديثة، وتعليب اللحوم، وصناعات الجلود، بما يتيح الانتقال من تصدير الخام إلى سلاسل قيمة أعلى دخلاً وتشغيلاً. ومع تطبيق معايير الصحة البيطرية والتتبع، يمكن للحوم نيالا أن تنافس في أسواق ذات متطلبات عالية.
ثانياً، جبل مرة – الزراعة البستانية في مناخ فريد: إلى جانب الثروة الحيوانية، تشكل مزارع جبل مرة رصيداً استثنائياً. فالمناخ المعتدل وارتفاعات الجبل يخلقان ظروفاً قريبة من مناخ البحر الأبيض المتوسط، مناسبة لإنتاج الفواكه والخضروات عالية القيمة (تفاحيات، خضروات ورقية، محاصيل بستانية). هذا التنوع يسمح بدمج الزراعة البستانية مع الصناعات الغذائية (فرز، تعبئة، تبريد)، لتغذية أسواق إقليمية ودولية تتطلب الجودة والانتظام.
ثالثاً، القرب الجغرافي والأسواق الطبيعية: تقع نيالا على مسافة جوية أقرب نسبياً من أسواق كبرى مثل لاغوس والجزائر العاصمة مقارنةً بمراكز إنتاج بعيدة في أميركا اللاتينية أو أستراليا. وتزداد أهمية هذه الميزة عند النظر إلى حجم الطلب القائم بالفعل على اللحوم المستوردة في هذين السوقين. فالتقديرات المتاحة تشير إلى أن الجزائر تستورد سنوياً عشرات الآلاف من الأطنان من لحوم الأبقار المجمدة؛ إذ تجاوزت وارداتها من مصدر واحد مثل البرازيل نحو 15 ألف طن خلال شهرين فقط في إحدى السنوات الأخيرة، بما يعكس سعة سوق سنوية كبيرة ومستقرة. أمّا نيجيريا، فرغم محدودية الواردات الرسمية للحوم الأبقار المجمدة بسبب القيود التنظيمية، فإنها تمثل أحد أكبر أسواق الاستهلاك في أفريقيا، ويُلبّى جانب معتبر من طلبها عبر تجارة الماشية الحية والذبح المحلي، ما يكشف عن فجوة سوقية محتملة للحوم المذبوحة الطازجة عالية الجودة إذا ما توافرت الأطر التنظيمية واللوجستية المناسبة.
وفي هذا السياق، يمنح القرب الجغرافي لنيالا ميزة زمنية وكلفية للحوم الطازجة والمبرّدة مقارنةً باللحوم المجمدة القادمة من أميركا الجنوبية وأستراليا، سواء للأسواق الجزائرية أو لأسواق غرب أفريقيا الأخرى، كما يفتح الباب – عبر الشحن الجوي قصير المدى – للوصول إلى أسواق أوروبا الجنوبية، شريطة توافر البنية التحتية الداعمة وسلاسل التبريد والمعايير الصحية الدولية.
يبقى تحديث مطار نيالا الدولي شرطاً حاسماً لهذا التحول. فنجاح نموذج التصدير الطازج يتطلب: مدرجات وخدمات قادرة على استقبال طائرات شحن متوسطة وكبيرة؛ مرافق تبريد وسلاسل لوجستية متكاملة؛ أنظمة جمارك وحجر صحي بيطري وزراعي بمعايير دولية؛ ربطاً برياً فعّالاً بين مناطق الإنتاج (الحزام الرعوي وجبل مرة) والمطار. بهذا، يتحول المطار من منشأة خدمية محلية إلى بوابة اقتصادية تربط دارفور مباشرة بالأسواق الإقليمية والعالمية.
خلاصة: لا يمكن فصل هذا الطموح عن شرطين متلازمين: السلام المستدام والاستثمار الوازن. فاستقرار دارفور شرط لجذب رؤوس الأموال، بينما يتطلب التطوير استثمارات عامة وخاصة – وطنية ودولية – في البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والاتصالات، وبناء القدرات المؤسسية. وفي إطار المدن المنتجة، يمكن لنيالا أن تستقطب شراكات استراتيجية مع مستثمرين في اللحوم والجلود والزراعة البستانية، مدعومة بضمانات سيادية وتمويل تنموي. إن تحويل اقتصاد نيالا من مركز رعوي تقليدي إلى قطب إقليمي للحوم الطازجة والمنتجات البستانية ليس حلماً بعيد المنال، بل مساراً واقعياً إذا ما توافرت الرؤية والسياسات والاستثمار. وفي حال تحقق ذلك، لن تستعيد نيالا دورها الاقتصادي فحسب، بل ستصبح نموذجاً لكيفية بناء مشروع تنموى متوازن جهوياً ومنفتحاً على الداخل السودانى وكذلك مرتبطاً بالأسواق الأقليمية الأفريقية والدولية فى أوروبا وغيرها، في إطار نهضة سودانية شاملة تقودها المدن المنتجة.
مروي: من عاصمة حضارة كوش إلى بوابة السودان الجديدة على العالم
ليست مدينة مروي مجرد حاضرة تاريخية في شمال السودان، بل هي عقدة جغرافية فريدة تجمع بين عمقٍ حضاري استثنائي، وموقعٍ طبوغرافي ولوجستي واعد، وإمكانات تنموية لم تُستثمر بعد بالقدر الذي يليق بها. ففي لحظة إعادة التفكير في مشروع النهضة الوطنية، تبرز مروي – ومطارها على وجه الخصوص – كإحدى المدن القليلة القادرة على الجمع بين السياحة الأثرية، والاقتصاد الإنتاجي، والانفتاح الجوي الإقليمي والدولي، إذا ما توفرت شروط السلام والاستثمار والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
أولاً، السياحة الأثرية وإعادة اكتشاف الحضارة الكوشية: تقع مروي في قلب أحد أغنى الأقاليم الأثرية في أفريقيا، حيث أهرامات مروي، وآثار النوبة، وشواهد الحضارة الكوشية العظيمة التي شكّلت إحدى أقدم الدول المركزية في وادي النيل. هذا الرصيد الحضاري يمنح المدينة ميزة تنافسية نادرة في سياحة الآثار والثقافة، وهي من أسرع أنماط السياحة نمواً عالمياً.
غير أن هذه الميزة ظلت لعقود حبيسة ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول، وغياب الربط الجوي المباشر. وهنا تبرز أهمية مطار مروي كرافعة محتملة لتحويل السياحة الأثرية من نشاط نخبوِي محدود إلى قطاع اقتصادي منتج، عبر تسهيل الوصول المباشر للسياح، وخلق فرص استثمار في الإقامة والخدمات الثقافية والبيئية، الأمر الذى سيشكل رافداً قوياً للاقتصاد السودانى، خاصة بالنسبة للأقليم الشمالى.
ثانياً، المطار كمنصة لتصدير اللحوم والمنتجات الطازجة: يمتلك مطار مروي خصائص فنية وطبوغرافية استثنائية؛ إذ يبلغ طول مدرجه نحو 4020 متراً، ما يؤهله لاستقبال الطائرات العريضة البدن، ويضعه ضمن فئة المطارات القليلة في الإقليم القادرة على لعب دور لوجستي متقدم، خاصة في الشحن الجوي. في هذا السياق، يمكن تصور المطار كمنصة مركزية لتصدير اللحوم المذبوحة والفواكه والخضروات الطازجة، وهي صادرات تتطلب سرعة في النقل، وسلاسل تبريد فعّالة، ومعايير صحية صارمة. ويمكن تغذية هذه المنصة من المطارات الأقليمية الصغيرة فى المدن المنتجة في إطار ممرات النمو الزراعي-الصناعي، مثل: كادوقلي، مدنى-الجزيرة-المناقل، وسنار-سنجة-الدمازين كمناطق واعدة لإنتاج الفواكه والخضر؛ النهود كمصدر رئيسي للحوم الضأن عالية الجودة؛ إضافة إلى الإنتاج البستانى في ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية نفسها.
وبذلك، يتحول مطار مروي من منشأة محلية محدودة الاستخدام إلى حلقة وصل حيوية بين الأقاليم المنتجة والأسواق الإقليمية والدولية، لا سيما في الخليج وأوروبا.
ثالثاً: آفاق التحول إلى مطار دولي في فضاء شمال أفريقى-شرق أوسطى متزايد الإزدحام: تشير التوقعات العالمية – بما فيها تقديرات شركات الطيران الكبرى – إلى أن فضاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط سيشهد خلال العقدين القادمين اكتظاظاً متزايداً بحركة الطيران، مع تضاعف الطلب على السفر الجوي، وازدياد الضغط على المطارات المحورية القائمة. في هذا الأفق الزمني (2040–2045)، تبرز مروي كموقع محتمل:
لمطار توقف (Stopover) أو
مركز شحن إقليمي (Cargo Hub) أو
حتى مطار دولي داعم لشبكات العبور بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
وذلك بفضل موقعها القريب من مسارات الطيران العابرة، وانخفاض الكثافة السكانية، ووفرة الأراضي، مقارنة بمطارات مكتظة في الإقليم. غير أن هذا السيناريو الطموح لا يمكن فصله عن توفير شروط هامة، لا تخلو من بعض الصعوبة، لكن ليست مستحيلة: سلام مستدام، واستقرار سياسي، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية تشمل الأمن الجوي، والخدمات اللوجستية، والطرق والطاقة والاتصالات، إضافة إلى تكامل إقليمي واتفاقيات طيران مفتوحة.
خلاصة- مروي كاختبار لمشروع النهضة: إن الرهان على مروي ومطارها ليس مشروعاً فنياً معزولاً، بل اختبارٌ لقدرة السودان على التفكير الاستراتيجي طويل المدى. فنجاح هذا المسار مرهون بالخروج من اقتصاد الحرب والعسكرة إلى اقتصاد الإنتاج والانفتاح، وبتبني مشروع نهضوي وازن قادر على اجتذاب استثمارات عامة وخاصة، وطنية ودولية. عندها فقط، يمكن أن تستعيد مروي مكانتها: لا كمدينة من الماضي فحسب، بل كبوابة السودان الجديدة على المستقبل.
