الخرطوم بلا رئة: كيف قتلت الحرب غابة السنط ودفعت الطيور المهاجرة إلى المجهول؟

سهام صالح

صحفية سودانية

لم تعد الخرطوم تتنفس. المدينة التي كانت تستند، بصمتٍ أخضر، إلى غابة السنط عند ملتقى النيلين، فقدت فجأة رئتها الطبيعية. اختفت الغابة، أو كادت، وتحولت المساحة التي كانت تضج بالحياة إلى أرض عارية، يابسة، بلا ظل ولا طيور ولا صوت، سوى صدى حربٍ لم تكتفِ بقتل البشر، بل امتدت لتفتك بالطبيعة ذاتها.

مشاهد صادمة وثقها مصور سوداني من قلب غابة السنط وسط الخرطوم انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، كاشفة حجم الدمار الذي لحق بهذه المحمية التاريخية، بعد تعرضها لعمليات قطع جائر منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل (نيسان) 2023. ما بدا في الصور لم يكن مجرد أشجار مقطوعة، بل إعلان غير رسمي عن موت نظام بيئي كامل.

رئة الخرطوم المفقودة

من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت (غابة السنط قبل دمارها)
من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت (غابة السنط قبل دمارها)

غابة السنط لم تكن مساحة خضراء عادية. فهي واحدة من أعرق وأكبر المحميات الطبيعية داخل العاصمة، أُدرجت رسميًا ضمن منظومة المحميات منذ عام 1939، وتبلغ مساحتها نحو 1500 هكتار على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، قرب ملتقى النيلين، في موقع يُعد من الأندر جغرافيًا وبيئيًا في المنطقة.

تكوّنت الغابة في معظمها من أشجار السنط، المعروفة بقدرتها الاستثنائية على مقاومة الفيضانات الموسمية التي كانت تغمرها كل خريف، دون أن تفقد توازنها أو هويتها البيئية. وكانت، بحكم موقعها وخصائصها، من الأراضي الرطبة المصنّفة عالميًا، تغمرها المياه لنحو ستة أشهر سنويًا، وتحافظ رغم ذلك على نظام بيئي مستقر.

هذه الخصائص مجتمعة جعلت الغابة تُصنّف ضمن المواقع ذات القيمة البيئية العالمية وفق معايير منظمة اليونسكو، فضلًا عن كونها محمية بقانون الحياة البرية، وحرماً آمناً للكائنات البرية داخل مدينة إسمنتية تتآكل باستمرار.

أكثر من غابة… مؤسسة علمية

في عام 1946، أُنشئت داخل الغابة مدرسة خبراء الغابات، التي خرّجت الرعيل الأول من فنيي الغابات في السودان، وأسهمت في تأسيس مشاريع التشجير في مختلف أنحاء البلاد. لم تكن الغابة متنزهاً أو مساحة للظل فحسب، بل مؤسسة علمية حيّة، وذاكرة بيئية لمدينة بأكملها.

ولأكثر من قرن، شكّلت غابة السنط المتنفس الطبيعي الأهم للخرطوم، وخط الدفاع البيئي الأول ضد التلوث وارتفاع درجات الحرارة والاختناق العمراني. كانت تمتص السموم، وتلطّف الجو، وتعيد شيئًا من التوازن إلى مدينة تبتلعها الخرسانة. اليوم، تبدو الخرطوم مكشوفة، عارية، وتختنق.

نظام بيئي سُحق تحت أقدام الحرب

من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت
من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت

لم تكن غابة السنط مجرد أشجار. كانت نظامًا بيئيًا متكاملًا، وملاذًا لعشرات الأنواع من الطيور المهاجرة والمستوطنة. على مدار عقود، استقبلت أسراب الطيور العابرة للقارات القادمة من أوروبا وآسيا وإفريقيا، لتتخذ منها محطة “ترانزيت” طبيعية في رحلاتها الطويلة.

من بين هذه الطيور: الإوز، وأبو منجل، ومالك الحزين، والنورس النهري، وخطاف البحر، والبط، إضافة إلى مئات الأنواع من العصافير والطيور النادرة، فضلًا عن الزواحف والحشرات والحيوانات البرية الصغيرة. اليوم، اختفت الموائل، وسُحقت السلسلة البيئية، وانهار توازن تشكّل عبر عشرات السنين.

الطيور أيضًا ضحايا الحرب

في سياق بيئي متصل، لم تتوقف آثار الحرب عند حدود اليابسة. فالحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي دخلت عامها الثالث، دفعت الطيور المهاجرة إلى تغيير مساراتها التاريخية، والانطلاق نحو المجهول.

وفقًا لناجي عبد الله الأمين، عضو المكتب التنفيذي السابق للجمعية السودانية لطيور الزينة، فإن أصوات الرصاص، وتدمير الغابات، وتلوث المياه، أحدثت ارتباكًا عميقًا في مسارات هجرة الطيور، التي تعتمد على إشارات طبيعية دقيقة لتحديد وجهتها. ويقول الأمين لـ«الغد السوداني» إن طيورًا كانت تعبر السودان بانتظام قادمة من أوروبا عبر مصر، باتت اليوم تغيّر مسارها أو تتوقف عن الهجرة كليًا.

اختلال التوازن البيئي

من جانبه، يحذر د. أمير خليل من منظمة “Four Paws” البريطانية من أن الطيور المهاجرة التي كانت تجد موطنًا مؤقتًا في الخرطوم والباقير، أصبحت عاجزة عن بناء أعشاشها بسبب التلوث والدمار البيئي. ويؤكد خليل في حديثة لـ«الغد السوداني» أن ذلك سيؤدي إلى انخفاض معدلات التكاثر، وانعكاسات سلبية طويلة الأمد على النظام البيئي.

ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد، إذ يؤدي غياب الطيور إلى اختفاء دورها في تسميد التربة ونقل البذور وإعادة توزيع المغذيات بين البيئات المختلفة، وهي وظائف حيوية صامتة، لا يُنتبه إليها إلا عند غيابها.

بيئة تُقتل بصمت

من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت
من قلب الخرطوم، تختفي غابة السنط والطيور تهاجر… حرب السودان تدمّر الطبيعة بصمت

السودان، الذي يضم أكثر من أربع محميات طبيعية، ويُعد موطنًا لنحو 600 نوع من الطيور، يواجه اليوم خطر فقدان جزء كبير من تنوعه البيولوجي. يقول الجنيد كبوشية، هاوي تربية الطيور النادرة، إن أعداد الطيور المهاجرة بدأت في التراجع حتى قبل الحرب بسبب الصيد الجائر وتدهور الغابات، لكن الحرب عمّقت الأزمة، وفتحت الباب أمام انقراض أنواع نادرة.

الحرب في السودان، إذًا، لا تقتل البشر وحدهم. إنها تغيّر الجغرافيا، وتكسر السلاسل البيئية، وتدفع الطيور إلى الهروب، والغابات إلى الفناء، وتترك مدينة كاملة بلا رئة تتنفس منها.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.