حكاية ثلاث مدن – مروى ونيالا وبورتسودان – في سياق الانتقال النهضوى من ضيق “عسكرة السياسة” إلى آفاق الاقتصاد الرحبة (1)
إبراهيم البدوي عبد الساتر
وزير المالية والتخطيط الاقتصادى الأسبق
أصبحت هذه المدن الثلاث من أكثر مدن البلاد ارتباطاً بهذه الحرب؛ إذ تحوّلت بورتسودان ونيالا إلى عاصمتي سلطتي الأمر الواقع، بينما ذاع صيت مروي ومطارها العسكري في سياق يوميات الصراع. وبلا شك أن عاصمتي القرار – نسأل الله أن تكونا مؤقتتين بلطفه – ستظلان ذواتي أهمية سياسية كبيرة حتى بعد انتهاء الحرب، كما ستبقى مروي ومطارها العسكري من أهم المواقع العسكرية في البلاد.
غير أنه سيكون بإذن الله لهذه المدن شأناً آخر، أكثر عمقاً وأبعد أثراً، حين تتحقق المرحلة الثانية من نبوءة العارف بالله الشيخ فرح ود تكتوك، الذي يُروى أنه قال: “خرطوم تعمر لي سوبا وتتفرتق طوبة طوبة، وأم درمان لما تصل لي جبالا وتحرق في نهارا”، ثم تنبأ، من بعد ذلك، بأن ينصلح الحال و”تعمر عمار، وتسلم سلام، وتبقى مقصد العرب والعجام”. (وكما هو معلوم، فقد عاش الشيخ فرح في القرن السابع عشر الميلادي، في زمن السلطنة الزرقاء، أي قبل نشوء الخرطوم الحديثة بزمن طويل. وعليه، تُفهم أقواله في إطارها الرمزي والروحي، لا بوصفها نصوصاً تاريخية حرفية. غير أنه، وبعد أن وقع الفأس في الرأس، لا يسعنا إلا أن نتوسل بالشق الثاني من النبوءة، من باب: “تفاءلوا بالخير تجدوه”).
سنعرض في هذا المقال أولاً لمدينة بورتسودان والساحل ومن ثم نيالا ومروى في المقال التالى.
بورتسودان وساحل البحر الأحمر:
على الرغم من أن المناطق الساحلية تميل، في العادة، إلى أن تكون من أكثر الأقاليم تطوراً اقتصادياً وتتمتع بكثافة اقتصادية مرتفعة، فإن ساحل البحر الأحمر السوداني يشكّل استثناءً صارخاً. فالساحل يُعد في الواقع من أفقر أقاليم البلاد، على نحو يضاهي أوضاع المناطق المتأثرة بالعنف الواسع النطاق الناجم عن الحروب الأهلية. وكما سنبيّن أدناه، فإن أحد العوامل المحتملة وراء ذلك هو ضعف البنية التحتية الشديد، والتي تُعد من الأضعف حتى بالمقارنة مع العديد من الدول الأفريقية الساحلية. ونتيجة لذلك، ظلّت الإمكانات الهائلة للمنطقة الساحلية غير مستغلة، فيما يرزح سكانها تحت فقر مدقع، وولاءات إثنية مدمرة، وعنف أهلي متواتر عبر الحِقَب المختلفة.
أولاً، انخفاض الكثافة الاقتصادية وضعف البنية التحتية على الساحل السوداني: ترسم الأدلة المكانية صورةً قاتمة لانخفاض الكثافة الاقتصادية على ساحل البحر الأحمر السوداني مقارنةً بالسواحل الأفريقية الأخرى. إذ تُظهر خرائط الكثافة السكانية أن الساحل السوداني – باستثناء مدينة بورتسودان – يُعد من أقل المناطق الساحلية سكاناً في إفريقيا، حيث تمتد مساحات طويلة بكثافات تقترب من الصفر. ويقف هذا في تناقض حاد مع الممرات الساحلية كثيفة السكان في شمال إفريقيا ، سواحل المتوسط ودلتا النيل، وأجزاء من شرق وجنوب إفريقيا، حيث شكّل التوسع التاريخى للعمران الساحلي قاعدةً للتجارة البحرية، والسياحة، ومصايد الأسماك، والتكتلات الصناعية.
فعلى سبيل المثال، تُظهر بيانات الكثافة الاقتصادية العالمية – المقاسة بعدد السكان لكل كيلومتر مربع ضمن شريط بعرض 100 كيلومتر بمحاذاة الساحل – أن الكثافة الساحلية لساحل البحر الأحمر السوداني في عام 2020 لم تتجاوز 29 شخصاً لكل كيلومتر مربع، مقارنةً بـ 66 في السعودية، و80 فى كينيا، و 86 في جنوب إفريقيا، و 129 في تونس، و156 فى مصر.
وتعزّز بيانات شدة الإضاءة الليلية – وهي بيانات قائمة على الأقمار الصناعية وتُستخدم على نطاق واسع كمؤشر بديل للنشاط الاقتصادي – هذا التشخيص. إذ يظهر ساحل البحر الأحمر السوداني مظلماً إلى حد كبير، مع بروز بورتسودان مرة أخرى كنقطة النشاط الوحيدة تقريباً. وعلى النقيض، تُظهر السواحل الأفريقية المقارنة سلاسل متصلة من التجمعات المضيئة والموانئ وممرات النقل، بما يعكس اندماجاً أعمق في الأسواق ومستويات أعلى من التشغيل خارج القطاع الزراعي. ففي عام 2020، بلغت شدة الإضاءة على طول الخطوط الساحلية – المقاسة بقيم رقمية تتراوح بين 0 و63 نحو 0.4 فقط في السودان، مقابل 1.5 في كينيا، 6.7 في جنوب إفريقيا، و10.5 في مصر، و12.3 فى تونس، و16.7 فى السعودية.
كما تكشف خرائط البنية التحتية المتاحة عن الجذور الهيكلية لهذا الانخفاض في الكثافة الاقتصادية. فشبكات الطرق على الساحل السوداني ضعيفة ومجزأة، وتعاني من اتصال محدود بالمناطق الإنتاجية الداخلية وبالدول المجاورة، في حين تظل شبكات نقل الكهرباء محدودة للغاية خارج النطاق الحضري لبورتسودان. وبالمقارنة، تتمتع الأقاليم الساحلية الأفريقية الأخرى بشبكات طرق كثيفة وبنى كهربائية واسعة تُمكّن التكتل الاقتصادي، والخدمات اللوجستية، وسلاسل التبريد، والخدمات السياحية، والصناعات ذات القيمة المضافة. فعلى سبيل المثال، يبلغ طول الطرق لكل وحدة مساحة على الساحل السوداني نحو 0.2 كيلومتر لكل كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلث طول الطرق على الساحل المصري. وبالمثل، لا تتجاوز قوة شبكة نقل الكهرباء على الساحل السوداني 0.01، أي ما يعادل ثُمن المستوى المسجل في مصر.
ثانياً، كيف قيّدت الكثافة المنخفضة وفجوات البنية التحتية التنمية الساحلية: تُسهم هذه الأنماط المكانية في تفسير اللغز المركزي الذي أبرزه تقرير المفوضية الأوروبية حول إدارة السواحل(1) إذ يمتلك السودان واحداً من أكثر السواحل سلامةً من الناحية البيئية وغنىً بالموارد في البحر الأحمر، لكنه فشل في تحويل هذا الرصيد إلى تنمية اقتصادية واسعة القاعدة. ويوثّق التقرير أن التنمية الساحلية ظلت محدودة للغاية، باستثناء شريط ضيق بطول 70 كيلومتراً بين بورتسودان وسواكن، فيما بقيت معظم المجتمعات الساحلية معزولة، ضعيفة الخدمات، وتعتمد على أنشطة منخفضة الإنتاجية مثل الصيد التقليدي والرعي.
وتُنتج الكثافة السكانية المنخفضة وضعف البنية التحتية مصيدةً ذاتية التعزيز؛ إذ يؤدي تشتت السكان إلى تقليص حجم السوق وإضعاف حوافز الاستثمار الخاص، بينما يرفع غياب الطرق والكهرباء والموانئ والبنية الاجتماعية تكاليف ومخاطر الاستثمار في السياحة، وتطوير المصايد، والاستزراع السمكي، والخدمات اللوجستية. وكما يشير التقرير، حتى القطاعات التي يتمتع فيها الساحل بميزة نسبية واضحة – مثل المصايد المستدامة، والسياحة البيئية، والخدمات البحرية – لا تزال متخلفة بسبب غياب الشروط التمكينية الأساسية، بما في ذلك سهولة الوصول، وسلاسل التبريد، وإمدادات الطاقة، وتجمعات العمالة الماهرة.
وعلاوة على ذلك، يؤكد التحليل أن تحديات الحوكمة والتخطيط على الساحل تتفاقم بفعل هذه الكثافة الاقتصادية المنخفضة. فقد أعاق تشتت المستوطنات، وضعف القدرة المالية للسلطات المحلية، ومحدودية الترابط المكاني، التخطيط الفعّال للمناطق الساحلية، والتنظيم البيئي، وتوسيع نطاق التدخلات التجريبية لتحسين سبل العيش. ونتيجة لذلك، ظلّ ساحل البحر الأحمر السوداني هامشياً اقتصادياً وهشّاً بيئياً، وغير قادر على جني عوائد التنمية التي حققتها الأقاليم الساحلية الأفريقية الأكثر كثافةً سكانيةً والأفضل اتصالاً.
ثالثاً، معالجة أزمة مياه البحر الأحمر شرطٌ أساسي لاستراتيجية تنمية الساحل: هذا الأمر يتطلب مشروعاً استراتيجياً وتمويلاً كبيراً، وتخطيطاً متكاملاً يتجاوز الحلول القطاعية الضيقة. وفي هذا السياق أعد الدكتور علاء الدين التاج يوسف والدكتور عبد الرحمن ميرغنى حسن شقالى، أستاذا الهندسة بجامعة البحر الأحمر، دراسة جدوى هندسية أولية(2) لنقل مياه نهر النيل من منطقة عطبرة إلى مدينة بورتسودان لمعالجة العجز المزمن في إمدادات المياه بولاية البحر الأحمر، في ظل شح الموارد المحلية وتزايد الطلب الحضري والصناعي. وتقترح الدراسة إنشاء خط أنابيب طويل يعتمد على عدد محدود من محطات الضخ، مع استغلال فرق المناسيب الكبير بين الداخل والساحل لتوليد طاقة كهرومائية تخفّض تكاليف التشغيل وتعزز الاستدامة. بينما تخلُص دراسة الخبيران إلى أن نقل مياه النيل إلى بورتسودان عبر خط ناقل طويل يمثل خياراً واقعياً من الناحية الهندسية، ويمكن أن يصبح اقتصادياً أكثر جاذبية عند دمجه مع توليد الطاقة الهيدروليكية، إلا أنها تؤكد أن هذا التقييم يظل مبدئياً ولا يغني عن دراسات جدوى تفصيلية تشمل الجوانب البيئية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، إضافة إلى الأبعاد القانونية والإقليمية المرتبطة باستخدام مياه النيل.
في السياق نفسه، اقترح البروفيسور الفاتح الطاهر، أستاذ الهندسة المدنية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نقل مياه النيل إلى منطقة البحر الأحمر لدعم تنمية الساحل والجبال، مشيراً إلى إمكانية تصميم خط أنابيب مناسب لنقل كميات محدودة من المياه من النيل إلى ساحل البحر الأحمر. ووفقاً لهذا المقترح، تُضخ المياه في البداية صعوداً فوق جبال البحر الأحمر، ثم تُستعاد هذه الطاقة – وربما أكثر منها – عبر توليد الطاقة الكهرومائية مع تدفّق المياه لاحقاً إلى أسفل نحو بورتسودان والمدن والبلدات الأخرى. وبالنظر إلى أن منسوب المياه في نهر النيل أعلى من مستوى البحر الأحمر، يمكن تحويل جزء من فرق الطاقة الكامنة إلى كهرباء، بعد احتساب خسائر الاحتكاك.
خلاصة:
تشير الأدلة مجتمعةً إلى تشخيص واضح مفاده أن عجز السودان عن استغلال إمكاناته الساحلية لا يعود إلى نقص في الأصول الطبيعية أو الموقع الاستراتيجي، بل إلى انخفاض مزمن في الكثافة الاقتصادية تفاقمه وجود فجوات حادة في البنية التحتية. وفي ظل غياب استثمارات استراتيجية لبناء ممرات ساحلية متكاملة – تربط الموانئ بالمدن الثانوية، وشبكات الطاقة، ومنصات الخدمات اللوجستية، والأسواق الداخلية – ظل ساحل البحر الأحمر معزولاً إلى حدٍ كبير عن ديناميات النمو الوطني والإقليمي. وتُفسِّر هذه الحالة البنيوية كلاً من التخلف التاريخي الموثق في تقرير الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية المدعوم من المفوضية الأوروبية، كما تُبرز وجاهة دعوته الملحّة إلى اعتماد إدارة ساحلية متكاملة لاستثمارات البنية التحتية بوصفها أساساً لتحقيق تنمية مستدامة في ولاية البحر الأحمر.
إن إحداث تحسينات جوهرية في البنية التحتية للموانئ، وإمدادات الطاقة، وربط شبكات النقل، وتعزيز القدرات التنظيمية والمؤسسية، في إطار منظومة متكاملة من ممرات التنمية الساحلية ترتكز على بورتسودان وتمتد إلى المدن والبلدات الساحلية الأخرى، من شأنه أن يمكّن السودان من إطلاق العنان للإمكانات الاقتصادية الكبيرة لساحله الاستراتيجي:
يمكن لبورتسودان أن تتطور إلى مدينة ساحلية كبرى على البحر الأحمر، ومركزٍ إقليمي للتجارة، والخدمات اللوجستية، والتصنيع الخفيف، والسياحة.
وعلى نطاق أوسع، يمكن للساحل السوداني أن يؤدي دور بوابة بحرية رئيسة للدول المجاورة غير الساحلية – ولا سيما جنوب السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وأجزاء من إثيوبيا – شريطة إنشاء ممرات نقل وتجارية فعّالة تربطه بالداخل.
علاوة على ذلك، فإن الطبيعة الأقل ازدحاماً، والبصمة العمرانية المحدودة نسبياً للساحل السوداني، مقارنةً بسواحل أخرى على البحر الأحمر، تتيح فرصاً واعدة لتطوير خدمات مساندة للملاحة البحرية – مثل تزويد السفن بالوقود، وتموينها بالمواد الغذائية الطازجة، وخدمات سلاسل التبريد – المرتبطة بأحد أكثر ممرات الشحن العالمية ازدحاماً.
غير أن هذا الأفق النهضوي يظل مهدَّداً على نحوٍ خطير بمشروع الحرب والعسكرة القائم، الذي لا ينظر إلى الساحل السوداني بوصفه مجالاً للتنمية المتوازنة وبناء الإنسان، بل كرصيدٍ استراتيجي قابل للتوظيف السياسي والعسكري، عبر مقايضة الامتيازات الاقتصادية، والموانئ، والقواعد العسكرية بالدعم السياسي والأمني من قوى خارجية. إن اختزال الساحل في هذا المنظور الأداتي لا يبدّد فقط فرص تنميته، بل يفاقم مشاعر الغُبن التاريخي والتهميش المتراكم وسط إنسان الساحل، على نحو ينطوي على مخاطرٍ حقيقيةٍ تهدد وحدة البلاد وتماسكها الاجتماعي. ومن هنا تتعاظم أهمية مشروع “ممرات التنمية حول المدن المنتجة”، لا بوصفه مشروعاً نهضوياً اقتصادياً وازناً فحسب، بل باعتباره أيضاً نواةً لعقد اجتماعي جديد، يعيد وصل الاقتصاد بالسياسة، والتنمية بالعدالة، والمكان بالمواطنة، ويمهّد الطريق لقيام السودان الحر، المستقل، والموحّد.
