
أرقي بوصفها معنى: حين يصنع المكان إنسانه في شمال السودان
«أرقي يا رحمان في السماح
مافي بلدا بتجاكرا»
إعداد: إبراهيم سالكا
ليست أرقي قريةً تستقر على ضفة النيل بقدر ما هي نصٌّ مفتوح على الزمن. مكانٌ تشكّل من تداخل البشر بالماء والتراب، ومن امتزاج اليومي بالرمزي، ومن تراكم الأثر عبر أجيال لم تكن تدرك أنها تصنع ذاكرة جمعية، لكنها فعلت.
حين تُذكر أرقي، لا تحضر كاسم جغرافي، بل كسرد حيّ. تتقدّم صور الناس على الشوارع، والأصوات على البيوت، والضحكات على الخرائط. تحضر المهن والطرائف والأغنيات والخصومات الصغيرة التي لا تلبث أن تنتهي دائماً بالمحبة. تحضر كحالة إنسانية مكتملة، لها كيمياء خاصة لا تخطئها الحواس، وحضور يتقدّم إلى القلب قبل العين، ويستقر دون استئذان.
قرية تصنع أثرها بلا ضجيج
ما يميز أرقي أنها لم تُنتج “أسطورة” عن نفسها، ولم تحتج إلى خطاب بطولي. صنعت معناها عبر البشر، لا عبر الشهرة. عبر أطباء ومهندسين وأدباء وشعراء ومغنين وحرفيين حملوا الجودة والصدق كقيمة يومية. أسماء اقترنت بالفعل لا بالادعاء: أبوسن، أبونيران، عباس عيسى، إبراهيم محمد الحسن، عثمان الحسن، علي شادول، شوتال، أبسير، المليني، أبو الرجال، تميم، المقداد، مهر، عبد الله، علاء، فؤاد عبد الرحيم، يوسف الحسين، يوسف المادح، أولاد أبوزيد، بكراوي، الطليح… وغيرهم كثيرون.
من كل باب تدخل أرقي، تخرج بحكاية. وفي كل حكاية رواية. وفي كل رواية طبقة من المعنى، تتراكم حتى تصير ذاكرة لا تخص فرداً بعينه، بل جماعة كاملة.
الطرفة: مقاومة ناعمة لقسوة الحياة
في أرقي، لم تكن الطرفة ترفاً لغوياً ولا سخرية مجانية. كانت شكلاً من أشكال الذكاء الاجتماعي، وسيلة لتخفيف ثقل الحياة، وإعادة ترتيب اليومي بحيث يُحتمل. من هذا النبع، وُلد الغناء أيضاً: لا بوصفه نشاطاً ثقافياً نخبوياً، بل ضرورة وجدانية. خرج الشعر دافئاً وصادقاً من رحم التجربة اليومية، بلا تكلّف، وبلا ادعاء.
كانت كرة القدم في زمن الشباب ميزاناً دقيقاً للفرح، ومدرسة للسلوك. ملاعب بسيطة، بلا تجهيزات، لكنها مليئة بالقيم. كل تمريرة لغة، كل هدف وثيقة فرح، وكل خسارة درس في قبول الآخر. لم تكن المباراة حدثاً عابراً، بل كتابة غير معلنة لسيرة جيل.
أرقي والدبة: علاقة الأثر المتبادل
لم تمرّ أرقي على الدبة يوماً من دون أن تترك فيها شيئاً من روحها. في سوق الدبة، في مستشفاها، في المحلية، في الإدارات، وحتى في التفاصيل الصغيرة: نبرة الحديث، خفة الروح، النكتة الذكية، والسخرية الناعمة من قسوة الواقع. لولا أرقي، لما كانت الدبة بطعمها الذي عرفناه، ولا بملامحها التي التصقت بالذاكرة.
البنطون: طقس اجتماعي لا وسيلة عبور
لم يكن البنطون مجرد وسيلة لعبور النيل. كان طقساً يومياً، ومشهداً اجتماعياً كاملاً بإيقاعه الخاص. كنا ننتظره صغاراً بشغف يشبه انتظار العيد. نتابع خروج الناس واحداً واحداً، نُسلّم، نضحك، ونغتسل بدفء العشيرة والحبوبات.
ومع وصول ناس أرقي، كانت الدبة تتحول فجأة إلى مدينة نابضة بالخضروات والفواكه والوجوه والأصوات. حتى الملابس البيضاء التي يرتديها أهل الطب كانت تُقرأ كعلامة، لا كزي محايد. وكان كل ذلك يسبق السوق نفسه: إيقاع أرقي القائم على النكتة الذكية، وعلى تحويل العابر إلى حدث اجتماعي.
الغناء بوصفه رابطاً اجتماعياً![السودان القديم]()
الغناء في أرقي لم يكن هامشاً. كان مركزاً ثقافياً مفتوحاً، منحت عبره الدبة زمناً طويلاً من الألحان والأصوات. شعراء وفنانون حملوا الفرح والحزن معاً، وجعلوا من الغناء وسيلة للتماسك الاجتماعي. امتد هذا الجمال إلى الجابرية، والككر، والكرد، وحسينارتي، والغابة، وقنتي، وكرمكول، وجرا… حتى تطابقت الأرواح، وصار الفرح شراكة ثقافية لا حدثاً عابراً.
وما تزال الأعراس، حتى اليوم، لا تكتمل ولا تبتسم إلا بحضور أرقي وفنانيها.
مديح وسياسة بلا تمزيق
لم يكن الفن وحده ما جمع الناس. الحسب، والنسب، والتراب، والرحم، كلها وشائج حية تتحرك في اليومي وفي المواسم. منحت أرقي المديح مساره الروحي: ود أبوزيد، حاج بابكر، أبونيران الشيخ، وأبونيران الشاعر، حيث يصبح الذكر إعادة توازن للروح.
حتى السياسة، رغم حضورها، لم تمزق النسيج الاجتماعي. تعددٌ يُدار بوعي، واختلاف لا يُلغي الإنسانية. تنافس شريف مع الختمية، وأناشيد سياسية بوصفها تعبيراً عن حيوية المجتمع، لا سبباً لانقسامه.
مكان لا يكتمل
هكذا تتشكل أرقي: سرداً متصلاً لا يكتمل، لأن الأماكن الحية لا تكتمل أبداً. بين الككر وأرقي عمق إنساني باقٍ، وبين الجابرية وأرقي جذور راسخة. وإن كان الإبداع أحد أجمل وجوهها، فإن ما في القلب أعمق وأبقى.
أرقي مكان صنع إنساناً، وصنع معنى، وما يزال يعيد إنتاج هذا المعنى، كلما ظننا أن الزمن قد مضى.

