سرديات..

الزاكي عبد الحميد أحمد يكتب

*Blood Is Thicker Than* *Water*!

*الدم أكثر لزوجة من الماء..*
(*الدم ما ببقى موية*) وتوسعةً يكون المعنى هو : الروابط الأسرية تتفوق على أية راوبط أخرى..واللزوجة هنا ترمز للتماسك بعكس الماء الذي إذا إندلق، إنساب في اتجاهات مختلفة (بعكس التماسك والتلاقي المبتغى)..

وقد يتوسع تأويل هذا المثل الإنجليزي، ليطابق مثلنا الشعبي الذي يقول:

*أنا وأخوي على ابن عمي؛ وأنا وإبن عمي على الغريب..*

*Yes True, But Oil Is Thicker Than Blood!*

*نعم صحيح؛ ولكن النفط أكثر لزوجة من الدم*..وتوسعة يكون المقصود هو أن الروابط المادية تتفوق على الروابط الأسرية..

هكذا انتهى بنا الحديث الذي بدأ من (الحلة الورانية) في قرية (اللعوتة ود البر) قبل أن يتفرّع شرقاً وغرباً إلى أن وصل دبلن الآيرلندية حيث المعرض المشهور الذي زاره شاعرهم مجددا وتغنى له..

*أم مرّْحي فوق جبلنا*
*أصلو الإكسير معدنا*
*الشرب بالكوب والدنة*
*كل الغشاهو تهنا*
*يا ليلى ليلك جن*
*معبودك أوه وأنا*

بصوت عذب كان ينشد كل ليلة، بعد صلاة العشاء في حيٍّ سكنيٍّ؛ جرّدته من مقومات الحياة؛ حرب لا أول لها ولا آخر..لا كهرباء ولا ماء.. لا شيء سوى تلك الحميمية التي تتنامى بيننا؛ مع محاولاتنا اليائسة للتأقلم؛ مع ما فُرِض علينا من واقع مرير..

شيخ سبعيني جاء نازحا، قبل بضعة أشهر، من الدويم مع أسرته طلبا للأمان، من هجمات الدعم السريع؛ التي بدأت قذائفها تصل قراهم البعيدة في النيل الأبيض..

اسمه النور ود التوم…
من “*الحلة الورانية*” في قرية *اللعوتة ود البر* من قرى محلية الدويم..لكن جدودهم من فداسي؛ هكذا عرّف نفسه حين جاءنا نازحا هو وأسرته من النيل الأبيض فصار واحداً منا له ما لنا وعليه ما علينا في واقع الشح هو عنوانه في كل شيء، إلا الموت..

صار في بضعة أيام شخصاً ذا حضور مؤثر في حيِّنا..تجده حاضرا في أفراح الحي (القليلة) وأتراحها (الكثيرة) بسبب الرصاص الطائش أو حمى الضنك أو الملاريا التي أضحت شوارعنا مرتعاً لناقلاتها..

قرية اللعوتة تكثر فيها أشجار اللعوت التي اتخذت منها قريتهم اسمها..هكذا فهمت منه..

اللعوت أشجار شوكية كثيرة؛ ولكن لا يستفيد منها الاهالي في شيء سواء استخدام أفرعها الشوكية في بناء حظائر الأغنام؛ أو استخدامها كوقود؛ رغم الرائحة الكريهة التي تصدرها عند الحرق..

النور الى جانب اجادته الإنشاد الروحي؛ لديه مخزون ثر من الأمثال الشعبية الشائعة في منطقتهم.

كنا عائدين ذات مرة من عزاء في الحي فقلت له : سبحان الله؛ الناس البشيلو معاهم الفاتحة ديل-من اهل العزاء-ما عرفت منهم الا نفرين أو تلاتة؛ مع إنو المرحوم وأهله معروفين هنا من زمان ؛ الحرب دي فرقت الناس وشردتم من بيوتم..

فقال لي: مي الحرب براها الفرقت الناس يا ود العم؛ لكين “*سُرارة اللعوت ماب تتعرف علّا عند الموت”*..

قلت له لم أفهم ما تقصد..قال لي هذا مثل عندنا معروف..طلبت منه شرحاً للمثل.. شرح؛ ولكن بايجاز لم يشف غليلي..

فاستزدته إضاءةً على المثل :

*”سُرارة اللعوت ماب تتعرف علّا عند الموت!”*

-يعني أقولك شنو! يا ود العم؛ طيب؛ مثلا قول انت مشيت لك لبيت بكاء فى الحي أو في القرية ولقيت وسط أهل المرحوم نفر أو نفرين؛ الناس تشيل معاهم الفاتحة وانت ماك عارف علاقتهم بالزول الميت زي حالتك الهسي دي … فبتقوم تسأل واحد من الناس البعرفو العلاقات المتشابكة دي (عند عربنا في القرية مسالة النسابة دي معروفة؛ تلقى الواحد يعدد لك علاقة فلان بفلان من زمن بعيد يمكن لي زمن آدم!) ..أها تقوم انت تسأل الزول الجنبك:
* إنت فلان ده علاقتو بالمرحوم شنو؟؟
فيقوم يرد عليك : يا سلام؛ بالله ماعرفتو !!! تقوم انت ترد باستغراب:
* أبدا والله ما عرفتو !!
فيقوم يقول ليك ياخى والد المرحوم وحبوبتو أولاد خالات لزم … ويواصل فى الحديث: أصلو حبوبة المرحوم دا؛ بعد جابت أمو ؛ زوجها مات وأخدها واحد تاني ؛ وسافر بها بعيد جهة الدمازين، وجاب منها اخوان واخوات لأم المرحوم من ناحية أمهم … اها الاخوان والأخوات ديل ما بجو كتير لأهلهم في الخرتوم؛ إلا ياهو في البكيات..الزمان داك نحن شفع صغار نلعب في البلي ..وبعد داك يقوم يكمل كلامو معاك يقول ليك ياخى دى ما ياها البقولولا “*سُرارة اللعوت ما بتتعرف علّا عند الموت..*”

سألت محدثي بعد هذا الشرح المسهب؛ ولِمَ شدرة اللعوت تحديداً؟ لِمَ تكال لها التهم دون غيرها من الأشجار كالسدر أو الطلح أو العشر مثلاً؟…

شيخ النور يرفع إلى كتفه طرف التوب الذي كان أن يسقط على الأرض، ويشرح: شدرة اللعوت معروفة عندنا بفروعها المتفرقات من بعض يعني ماهن ملمومات؛ تلقى فرع هنا وفرع هنوك..لكين سبحان الله يوم تجي تحرق الفروع دي بعد تنشف، تشوفا تتجمع وكأنها *ماب تتلم علّا فى اليوم الأسود* !!! يوم الحريق يعني..

ذُهلتُ من عمق المثل..
فالمغزى من المثل هو ضرورة أن يهتم الناس بصلة الأرحام دوما والا يكون التواصل بينهم عند الموت أو الفواجع فقط ..

والقول يا صحابي ما قال شيخ النور؛ خاصة في هذا الزمن الصعب، الذي تفرّق فيه الناس أيدي سبأ، بسبب الحرب والنزوح المر..

عرضت لاحقاً مثلنا الشعبي على زميلاتي وزملائي في مجموعة واتساب تضم عددا من المترجمين العرب والمستشرقين؛ ليقفوا على ثراء أدبنا الشعبي..

دوغلاس مستشرق بريطاني حاذق؛ هو رئيس المجموعة، بحكم خبرته الممتدة لسنوات عديدة..طلب مني أن أشرح المثل بالعربي ثم أترجمه للانجليزية..

ما من مفر!..ترجمت المثل وشرحته شرحاً وافيا-كما فهمته من حديث النور ود التوم حتى يسهل عليهم فهم المثل بكل أبعاده:

*Laout’s Ties Show in Death’s Sighs*

In our culture, there’s a proverb that says, “The kinship of the Laout tree is only known when death occurs.” This phrase; in its Arabic form, is often used to illustrate how distant relatives only come together in times of need, such as funerals.

When attending a funeral in a rural area, you might notice people gathering from far and wide to pay their respects. Among the mourners, you’ll find distant relatives who may not have been seen or heard from in years. When you ask about their relationship to the deceased, they’ll explain the complex family ties, and you might be surprised by the distant connection.

The Laout tree, with its sprawling branches, is a fitting metaphor for this phenomenon. While its branches may seem far apart, they converge when the tree is burned, much like distant relatives gathering only in times of crisis. The word “Laout” rhymes with “death” in Arabic, adding depth to the proverb. To maintain the rhyme I translated the proverb into:

*Laout’s Ties Show In Death’s Sighs*..

The underlying message is clear: people should nurture close relationships and not just come together in times of sorrow. It’s a reminder to prioritize connections with loved ones and be there for each other, not just when it’s convenient or necessary. This proverb resonates deeply in rural areas where community ties are strong, but its wisdom can be applied universally.

بعد ذلك طلب منا دوغلاس أن نأتي بالمثل الانجليزي الأقرب للمثل السوداني الذي عرضته عليهم..

بعد نقاش مستفيض استقر الرأي على أن يكون المثل الانجليزي الأقرب للمثل السوداني هو :

*Blood Is Thicker Than Water*

أي *الدم ما بصير مية* كما قال أحد أعضاء المجموعة، وهو أمريكي من أصل سوري..بمعنى أن الدم أكثر تماسكا من الماء الذي إذا إندلق انساب سريعا في اتجاهات مختلفة ..

كدنا نقلب صفحة النقاش تأكيدا على صحة ما توصلنا إليه من مقاربة؛ غير أن كبيرنا دوغلاس كان له رأي آخر:

قال: أنا لا أنتمي لأفراد أسرتي بقدر انتمائي لزملاء العمل في مورد العائد المادي سواء كان في الخليج اوغيره من الأماكن وقال:

*Oil Is Thicker Than Blood..*

ويعني أن ما يجمع الناس في هذا الزمن هو المال وليس العلاقات الأسرية..والرمزية هنا ان النفط أكثر لزوجة (تماسك) من الدم أي أن العلاقات المادية أقوى تماسكا من العلاقات الاسرية.

The phrase “oil is thicker than blood” is a modern reinterpretation that suggests wealth and material possessions can create stronger bonds than family ties. This phrase is often used to describe situations where people prioritize relationships that benefit them financially or socially over their familial relationships.

In this context, “oil” represents wealth, power, and influence, implying that these factors can attract people and create stronger connections than family bonds.

وهكذا أعاد دوغلاس الكرة إلى ملعبنا تتناقلها أرجلنا دون أن تستقر على وضع يريّح بالنا..

الكرة تتقاذفها أرجلنا بلا كلل وفي الذاكرة من أيام الدراسة قول الشاعر الانجليزي/الآيرلندي ييتس Yeats ونظرته للصداقة كأقوى رابط عرفته البشرية:
*Think where your glory begins and ends*

*And say my glory was I had such friends*

*أين مجدك يبدأ وأين ينتهي يا إنسان؟*
*قل أصدقائي همو مجدي ..همو يومي..همو أمسي..*

الشاعر الانجليزي الآيرلندي قال ذلك حين زار مغرض البلدية في دبلن فتذكر أصدقاء له كانوا هم مجده وعزه وسلواه..اقصد قصيدة:

Municipal Gallery Re- visited..
زيارة ثانية لمعرض البلدية..

ثم يسكت الكلام راضياً؛ يوم يطل عليك من كل مكان؛ *ابو صلاح* بالوضاءات والصبح الذي لا يزدريك:

*أجسامنا ليه قسمين؟*
*روحنا واحدة وكيف يتقسمن اتنين؟*
*شي عجيب في غرامك يا فريع باسمين*..

Why are our bodies two, yet our souls entwine?

Our love’s a flame that burns, a love divine.

How strange it is to be apart, you and me,

Oh, tender branch of moringa, my love, set me free.

وينصر دينك يا أبو صلاح ياخ..
سجن..سجن..غرامة غرامة

Will Never Conceal My Partiality Being Sudanese!

سجن..سجن..غرامة..غرامة..والتي يكون شرحها للناطقين بغيرعا:
Come What May!

 

2 تعليقات
  1. احمد حمادي يقول

    متعة وسياحة ادبية

  2. Prof. Hisham Mohyeldin Mohamed يقول

    كلام جميل ولكن لماذا ترجمت ياسمين ب moringa وليس jasmine؟!

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.