أي حوار هذا؟ أسئلة الأخلاق والشرعية في مفاوضات السودان المفتوحة
أسامة النور
يتجسد اختلافي مع عدد من الفاعلين السياسيين والعاملين في الشأن العام في السودان في التصور السائد لمفهوم الحوار الوطني وحدوده وشروطه. ففي السياق السوداني، الذي اتسم تاريخيًا بتكرار الأزمات السياسية وتعثر الانتقال الديمقراطي، لا يمكن النظر إلى الحوار بوصفه إجراءً تقنيًا أو آلية سياسية محايدة، بل ينبغي فهمه باعتباره ممارسة أخلاقية وسياسية في آن واحد، تحكمها معايير النزاهة والصدق وتجرد الغاية، بوصفها شروطًا تأسيسية لشرعية العملية الحوارية ومصداقية أطرافها.
غالبًا ما يُوصم هذا الطرح بالمثالية، غير أن التجربة السودانية نفسها تؤكد أن تجاهل البعد الأخلاقي في العمل السياسي كان أحد الأسباب المركزية لإخفاق المبادرات الوطنية المتعاقبة. فقد أفضى تغليب المصالح الشخصية والحزبية، والسعي إلى المكاسب الآنية، إلى إضعاف الثقة العامة بين المجتمع والقوى السياسية، وإلى تحويل القضايا الوطنية الكبرى إلى ساحات للمساومة، بما قوض الأهداف الكلية المرتبطة ببناء الدولة، وترسيخ الحكم المدني، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وينطبق هذا التوصيف على الأفراد كما على المؤسسات والمنظومات والوسطاء الذين اضطلعوا بأدوار تفاوضية أو تنظيمية في مسارات العمل العام.
وفي هذا الإطار، تثير الدعوات المتكررة للحوار أو التفاوض مع فاعلين تحيط بسجلهم ملاحظات جوهرية تتعلق بمواقفهم من الانقلابات العسكرية إشكاليات أخلاقية وسياسية عميقة. فالحوار مع أطراف دعمت الانقلاب، أو أسهمت في تهيئة المناخ السياسي والإعلامي له، أو تواطأت مع مسارات تقويض التحول الديمقراطي قولًا وفعلًا، لا يمكن تكييفه بوصفه اختلافًا مشروعًا في الرؤى السياسية، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيرًا عن خلل بنيوي في الالتزام بالمسؤولية الوطنية ومبدأ المحاسبة.
وعليه، فإن أي عملية حوار وطني في السودان لا تستند إلى معايير أخلاقية واضحة، ولا تُخضع المشاركين فيها لتقييم موضوعي يستند إلى مواقفهم السابقة وسجلهم العملي، تظل عملية محدودة الأثر، وقاصرة عن إنتاج حلول مستدامة للأزمة السياسية. بل إن مثل هذه العمليات قد تسهم، عن قصد أو غير قصد، في إعادة إنتاج الأزمة ذاتها، ومنح شرعية ضمنية لممارسات أفضت إلى تقويض الدولة وتعميق الانقسام المجتمعي. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق أي مسار حواري في السودان: بأي معايير نتحاور؟ وبأي ميزان نقيم أهلية الفاعلين للمشاركة في صياغة مستقبل وطني يتطلع إلى الاستقرار والديمقراطية والعدالة؟
