
ألف يوم من الحرب في السودان: 14 مليون إنسان خارج بيوتهم… والعالم يكتفي بالعد
بعد ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد السؤال كم يوماً مر على القتال، بل كم حياة سُحقت في الطريق. أحدث تقديرات الأمم المتحدة تقول إن نحو 14 مليون سوداني باتوا نازحين داخل البلاد وخارجها. رقم هائل، لكنه يفقد معناه سريعاً حين يتحوّل إلى خبر عابر في نشرات العالم.
تُظهر البيانات أن 9.3 ملايين شخص نزحوا داخل السودان، فيما اضطر أكثر من 4.3 ملايين لعبور الحدود هرباً من القصف والجوع وانهيار الدولة. تصف الأمم المتحدة ما يجري بأنه أكبر أزمة نزوح طارئة وأكبر أزمة جوع في العالم اليوم، لكن هذه التوصيفات الثقيلة لم تنجح حتى الآن في تغيير مسار الكارثة.
الجوع كسلاح غير معلن
في السودان، لا يموت الناس بالقذائف وحدها. أكثر من 21 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في بلد كان يوماً ما سلة غذاء محتملة للمنطقة. الحرب قطعت الطرق، أغلقت الأسواق، ومنعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، لتتحول المجاعة إلى نتيجة طبيعية لا إلى استثناء.
الجوع هنا ليس عرضاً جانبياً للحرب، بل أحد أشكالها الأكثر قسوة.
العودة إلى الخرطوم… مخاطرة لا خيار
رغم الحديث عن عودة بعض النازحين إلى العاصمة الخرطوم، إلا أن هذه العودة تبدو أقرب إلى مقامرة بالحياة. أحياء مدمرة، بنية تحتية منهارة، وذخائر غير منفجرة تزرع الموت في الشوارع والمنازل. العودة لا تعني الأمان، بل غالباً ما تعني الوقوع بين فقرٍ مدقع وخطرٍ دائم.
كردفان: حصار يُدار بصمت
في ولايات كردفان، تتخذ الحرب شكلاً أقل صخباً وأكثر فتكاً. الحصار المفروض على مدينتي كادقلي والدلنج قطع طرق الغذاء والدواء، وقيّد وصول السكان إلى المزارع والأسواق. الاشتباكات مستمرة، لكن القتل الأبطأ يحدث عبر التجويع والعزلة.
هناك، لا يحتاج الناس إلى قصف مباشر ليموتوا.
دارفور: الأطفال أولا
في دارفور، حيث تتداخل الحرب الحالية مع تاريخ طويل من العنف والإفلات من العقاب، يدفع الأطفال ثمناً مضاعفاً. تقارير أممية تحدثت عن مقتل ثمانية أطفال في هجوم على مدينة الأبيض، في حادثة ليست استثناءً بقدر ما هي جزء من نمط مستمر.
دارفور اليوم ليست فقط ساحة صراع عسكري، بل مساحة مفتوحة لانتهاك حياة المدنيين، بلا مساءلة تُذكر.
استجابة أقل من الكارثة
في مواجهة هذا الانهيار، أعلنت الأمم المتحدة عن تشديد أولويات خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، مستهدفة مساعدة 20 مليون شخص فقط من أصل 34 مليوناً يُعتقد أنهم بحاجة إلى دعم عاجل. هذا التقليص لا يعكس تحسناً في الأوضاع، بل اعترافاً ضمنياً بعجز التمويل الدولي عن مجاراة حجم المأساة.
الرسالة غير المعلنة واضحة: ليس كل المحتاجين سيحصلون على المساعدة.
حرب بلا نهاية قريبة
منذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حرباً مفتوحة على السلطة والسلاح، بينما يدفع المدنيون الثمن كاملاً. عشرات آلاف القتلى، ملايين النازحين، وبلد يتآكل ببطء. السيطرة العسكرية موزعة، لكن الخسارة واحدة في كل المناطق.
بعد ألف يوم، لم تعد الحرب في السودان حدثاً طارئاً، بل واقعاً مزمناً. والعالم، كما يبدو، تعلّم كيف يتعايش مع الكارثة بدل أن يوقفها.
