السودان، إشكالية العلاقة بين الجيش والدولة وإرث التأسيس الاستعماري
عادل تاج الدين جار النبي يكتب ..
تطرح التجربة السياسية في السودان سؤالًا مركزيًا ظلّ ملازمًا لمسار الدولة منذ الاستقلال: لماذا تكرّرت الانقلابات العسكرية وتعثّرت محاولات التحول الديمقراطي؟ لا يمكن مقاربة هذا السؤال بمعزل عن الظروف التاريخية التي نشأت فيها المؤسسة العسكرية، والعلاقة التي تشكّلت بينها وبين الدولة والمجتمع.
فقد تكوّن الجيش السوداني الحديث خلال فترة الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، في إطار مؤسسي ارتبط بوظائف حفظ الأمن الداخلي وإدارة المجال الاجتماعي وضبط الأقاليم، أكثر من ارتباطه بمفهوم “جيش الدولة الوطنية”. وقد أسهم ذلك في ترسيخ عقيدة أمنية تُعلي من دور القوة في إدارة المجال العام، وتضع المؤسسة العسكرية في موقعٍ أقرب إلى سلطة فوقية منه إلى جهاز خاضع للرقابة المدنية.
ومع الاستقلال، لم تُجرَ عملية إصلاح شاملة لهذه البنية أو إعادة تعريفٍ لدور الجيش في إطار نظام دستوري مدني، بل انتقلت القيادة من الضباط الأجانب إلى نظرائهم السودانيين دون تغيير جذري في طبيعة المؤسسة أو وظائفها. وفي هذا السياق، جاء انقلاب عام 1958 بوصفه امتدادًا لوظيفةٍ مؤسسية سابقة أكثر منه قطيعةً معها، لتبدأ معه دورة سياسية يتقدّم فيها الجيش إلى واجهة الحكم كلما تعثرت التجربة المدنية.
وتكرّر هذا النمط بدرجات مختلفة في انقلابي مايو 1969 ويونيو 1989؛ حيث التحمت العسكرة بالأيديولوجيا، وتوسّع نفوذ الأجهزة الأمنية والاقتصادية ليأخذ حضور المؤسسة العسكرية طابعًا مركّبًا يتجاوز الإطار السياسي المباشر. كما أسهم الاعتماد المتزايد على القوى شبه العسكرية والميليشيات في انتقال العسكرة من الجيش إلى بنية الدولة ذاتها، بما أنتج تعددية في مراكز القوة وأضعف قدرة المؤسسات المدنية على ترسيخ الحكم الديمقراطي.
حتى بعد ثورة ديسمبر 2019، ظلّ الجيش والقوى المسلحة الأخرى الفاعل الأكثر تأثيرًا في المشهد الانتقالي، فيما بقيت مؤسسات الحكم المدني محدودة النفوذ ومحاطة بواقع القوة على الأرض. وقد أعاد ذلك طرح الإشكالية الجوهرية ذاتها: حدود الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، وطبيعة علاقتها بالدولة، ومدى خضوعها للشرعية الدستورية.
إن قراءة مسار الدولة السودانية تشير إلى أن جوهر الأزمة لا ينحصر في تغير الحكومات أو تبدّل القيادات، بل يكمن في الإرث المؤسسي للعلاقة بين السلاح والسياسة، وفي استمرار تصورٍ تاريخي يضع المؤسسة العسكرية في موقع الوصاية عند الأزمات. ومن ثم، فإن تجاوز حلقة الانقلابات لا يمكن أن يتحقق دون إصلاحٍ عميق للعقيدة العسكرية، وإعادة بناء العلاقة بين الجيش والدولة على أساس المهنية والخضوع للقانون والرقابة المدنية.
فالسؤال الذي يظل مطروحًا بإلحاح هو: هل تُبنى دولة مدنية تملك جيشًا وطنيًا محترفًا، أم تبقى الدولة أسيرة بنيةٍ تاريخية تسمح بإعادة تشكيلها بالقوة كلما اختلّ ميزان السياسة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تمثل المدخل الضروري لأي انتقال ديمقراطي مستدام.
