السودان: وقف النار وحده لا يكفي… الإمارات تطالب بمحاسبة الجناة

أديس أبابا، الغد السوداني ـ في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، أعادت دولة الإمارات وضع الحرب في السودان في صدارة النقاش السياسي والدبلوماسي، عبر التأكيد الصريح على ضرورة محاسبة جميع المتورطين في انتهاكات القانون الدولي الإنساني، بالتوازي مع الدعوة إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، يخفف من الكارثة الإنسانية المتفاقمة ويضع البلاد على مسار تسوية سياسية شاملة.

الموقف الإماراتي، الذي ورد في بيانين منفصلين مع كل من مفوضية الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا، يتجاوز اللغة الدبلوماسية التقليدية، ليحمّل طرفي النزاع المسؤولية المباشرة عن استمرار الحرب، وما نتج عنها من قتل للمدنيين واستهداف للعاملين في المجال الإنساني، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة في مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في دارفور.

البيانان شددا على أن إنهاء الحرب وحماية المدنيين ليست مهمة المجتمع الدولي وحده، بل مسؤولية مباشرة للطرفين المتحاربين، في وقت تتزايد فيه أعداد النازحين وتتعقد فيه مسارات الإغاثة، وسط تحذيرات أممية من مجاعة واسعة النطاق.

أديس أبابا: السودان في قلب المشاورات الإماراتية–الأفريقية

وجاء هذا الموقف خلال اجتماع رفيع المستوى عقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في 6 يناير، جمع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف ووزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، في إطار المشاورات السياسية الدورية بين الجانبين، والمستندة إلى مذكرة تفاهم موقعة منذ عام 2019.

وأكد الجانبان أن تحقيق السلام في السودان يشكّل مدخلاً أساسياً للاستقرار الإقليمي، لا سيما في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية والإنسانية، وتتداخل مصالح دول الخليج مع أمن الممرات البحرية والازدهار الإقليمي.

وفي هذا السياق، أعاد الطرفان التذكير بأجندة الاتحاد الأفريقي 2063، وبمبادرة «إسكات البنادق بحلول 2030»، معتبرين أن غياب الحل السياسي في السودان يقوض فرص التنمية والتكامل الاقتصادي في القارة.

حكومة مدنية ومساءلة بلا استثناءات

الموقف الإماراتي شدد بوضوح على أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تكون مستدامة من دون تشكيل حكومة مستقلة بقيادة مدنية، تعبّر عن تطلعات السودانيين، وتضع حداً لدورة الانقلابات والصراعات المسلحة.

كما أعاد التأكيد على ضرورة المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، في إشارة إلى الفظائع المرتكبة بحق المدنيين، خصوصاً في إقليم دارفور، والتي أعادت إلى الواجهة ذاكرة الجرائم الجماعية التي لم تُحاسَب سابقاً.

ويعكس هذا الطرح انسجاماً مع البيان المشترك الصادر عن الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» في سبتمبر 2025، وكذلك مع مخرجات المؤتمر الإنساني رفيع المستوى الذي عقد على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير من العام نفسه، والذي سعى إلى حشد دعم إقليمي ودولي لمعالجة الانهيار الإنساني في السودان.

السودان في شبكة أوسع من الملفات الإقليمية

لم يكن السودان الملف الوحيد على طاولة المباحثات. فقد ناقش الجانبان تطورات القرن الأفريقي، والصومال، والأمن البحري، إضافة إلى قضايا المناخ والمياه، حيث جرى تسليط الضوء على مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 الذي تستضيفه الإمارات بالشراكة مع السنغال، وعلى مبادرة «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية» بقيمة مليار دولار.

غير أن الرسالة السياسية الأبرز بقيت واضحة: لا سلام إقليمياً من دون وقف الحرب في السودان، ولا استقرار من دون محاسبة منتهكي القانون الدولي، ولا مستقبل من دون انتقال مدني يقطع مع منطق السلاح.

في بلد أنهكته الحروب وتنازعته الجيوش، تعود المساءلة اليوم إلى واجهة الخطاب السياسي، بوصفها اختباراً حقيقياً لجدية المجتمعين الإقليمي والدولي في إنهاء واحدة من أكثر الأزمات دموية وتهميشاً في العالم.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.